هيئة علماء المسلمين في العراق

الجامعة العربية.. واقع لا يرتجى!!.. د. باسم عبد الله عالِم
الجامعة العربية.. واقع لا يرتجى!!.. د. باسم عبد الله عالِم الجامعة العربية.. واقع لا يرتجى!!.. د. باسم عبد الله عالِم

الجامعة العربية.. واقع لا يرتجى!!.. د. باسم عبد الله عالِم

حسنا فعل مؤتمر القمة العربي الثامن عشر في الخرطوم حين اختصر أعماله وفض سامره على عجالة من أمره. ولعل القادة العرب قد أقحموا أنفسهم فيما لا يحسنون والتزموا أمام شعوبهم في لحظة من لحظات غياب العقل بما لا يستطيعون؛ فالاجتماع السنوي للقيادات في جامعة الدول العربية كان يراد له أن يُفعِّل دور الجامعة، وينيط بها مسؤوليات ليس أقلها لملمة الشعث وخط الطريقة ورسم المسار. وقد ارتفعت أيدي القادة العرب مؤيدين لهذا النهج الجديد، فحسبناهم قد اجتمعوا على رأي وتواطئوا على أمر أقروه شكلاً ومضمونا. إلا أنه وبمرور الزمن تكشفت الحقيقة التي بينت أن إجماع القادة العرب على إقرار قمة عربية سنوية قد أخفى في طياته خلافات واختلافات جوهرية إذ كنا نحسبهم جميعا ولكن حقيقة الأمر أن قلوبهم كانت شتى!!.

العاطفة تسود لا العقلانية

وقد ذهب كل حزب بما لديهم فرحون؛ فالجامعة العربية تسير في واد والدول العربية كل منها في واد!!. وتتهم كل دولة الأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر بشق الصف وتغليب المصلحة الذاتية على المصلحة العامة والارتهان السياسي. وتعيش الأمة وهي تنظر إلى هذا الصخب ولسان حالها يقول "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا"!!. والمتأمل للحال في ذلك الزمان عندما ارتفعت الأيدي تؤيد لقاءً سنويا كان لا بد من أن يدرك ما سينتهي إليه المآل.

أما الذين ظنوا بأنفسهم خيرا واستبشروا بالأمر ووصفوه بأنه أساس الحل ومكمن الخلاص فكانوا أقرب إلى العاطفية منهم إلى العقلانية فأنزلوا آمالهم وتطلعاتهم منـزل الواقع، والبون بينهما شاسع، والواقع المؤلم يفرض علينا مشاهدات وأدلة وقرائن تنغص علينا عيشا رغيدا في ظل أحلام اليقظة الخادعة.

ولعل المتأمل لمسيرة الأحداث التي عصفت بالجامعة منذ اجتماع القمة العربي المنعقد في القاهرة على أثر الغزو العراقي للكويت وحتى اليوم، مرورا بقمة اعتماد الأغلبية بدلا من الإجماع وقمة اعتماد اللقاء السنوي، يدرك أن ما حدث لم يكن سوى محاولات تفتقر إلى الحنكة والتخطيط المسبق المراد منها اقتناص بعض الدول العربية للفرصة السانحة لتكون دولة ذات صبغة قيادية تدير دفة العالم من خلال جامعة الدول العربية!!.

وهذه الدول قد استهوى قادتها محاكاة الدور الأمريكي في الأمم المتحدة وإعادة إخراج مثيل لهذا الدور على خشبة مسرح جامعة الدول العربية. ومن أجل هذا توافق الجميع على أمر ولكنْ كل منهم يضمر الاستئثار به لنفسه!!.

ويظهر من الارتباط الوثيق بين غياب القيادات المؤثرة والمواضيع المطروحة للنقاش واتخاذ القرار في الجامعة أن مبدأ ارتضاء الأغلبية - أو السير في ركاب ما يغلب على ظن الأغلبية بأنه مصلحة عامة ليس - مبدأ حاكما.

وندرك أيضا من خلال المواقف المتباينة وخريطة التغيب القيادية عن المؤتمرات المتعاقبة بأن العالم العربي أو قياداته قد استقرت مواقفها وسياساتها في دوائر تضيق وتتسع حول هذه المواقف، ولكنها تظل دوائر تحكم درجة المرونة والتحرك لهذه القيادة أو تلك.

ويتحكم في تأطير هذه الدوائر المصلحة المباشرة بحسب رؤية القيادة دون الأخذ في الاعتبار المصالح العليا للأمة العربية التي في حقيقتها تعتبر مصالح إستراتيجية بعيدة المدى تفوق في أهميتها المصالح الآنية والمباشرة. ويمكن تصنيف هذه الدوائر باعتبارها مرآة عاكسة للمواقف العربية المتباينة في جامعة الدول العربية وعلى المسرح السياسي الدولي.

تنافس غير صحي

فالدائرة الأولى تمثل موقفا خليجيا موحدا تجاه التعامل مع الأحداث في المنطقة والتحالف الإستراتيجي مع السياسة الأمريكية ليشكل الطرفان موقفا موحدا في الإقليم العربي. وتنشد دول الخليج مجتمعة ومتفرقة دورا أكثر تأثيرا في الإقليم والمحيط العربي من خلال هذه المواقف.

وفي هذا الإطار نجد تنافسا داخليا بين دول الخليج العربي لقيادة هذا التوجه والاستئثار بالكلمة العليا فيه، فنلحظ هرولة سياسية واقتصادية وعسكرية كل بحسب عطائه ودون اعتبار لإطاره الخليجي الجامع.

كما أن هذه الحالة قد تقود بعض دول المنطقة في الخليج إلى اتخاذ مواقف تتناقض ومصالح الدول العربية الأخرى على الرغم من كون هذه المصالح لا تؤثر سلبا على الدول التي اتخذت هذا الموقف المناقض، فإن هذا الموقف يعتبر موقفا تابعا أو موقفا استرضائيا في إطار تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وليس الموقف السياسي المصري بأحسن حال إذ تباينت مواقفه بحدة على مر السنين من ليبيا في أثناء المقاطعة الأمريكية لها والسودان في فترة حرب الجنوب حين كانت القاهرة حاضنة لقيادات التمرد الجنوبي.

ولا تختلف مواقف القاهرة المتباينة تجاه الحالة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو وحتى يومنا هذا إذ استمرت في إضفاء مصداقية وشرعية ومنح المظلة العربية للمتطلبات الأمريكية من خلال الإقناع تارة والضغط تارة أخرى على القيادات الفلسطينية.

وكان آخر هذه المواقف محاولة الضغط على القيادة الفلسطينية الجديدة للاعتراف بالكيان الصهيوني، والقبول بحدود عام 1967، والتخلي عن خيار المقاومة دون أي مقابل سياسي، وهو ما أثار استغراب وتعجب كثير من القوى السياسية العربية والإسلامية.

وقد يظن المشاهد لمجريات الأحداث أن مقتضى ذلك هو توافق الدائرتين المصرية والخليجية في إطار التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن حقيقة الأمر ومجريات الأحداث وراء الكواليس تؤكد وجود تنافس شديد بين الدائرتين على مواقع التأثير السياسي ومحاولة كل دائرة الإمساك بزمام المبادرة السياسية باعتبار ذلك دليلا على التفوق والغلبة السياسية القيادة الإقليمية!!. وإن كنا قد ذكرنا حالة الدائرة الخليجية والدائرة المصرية فما ذاك إلا لأنهما الحالتان الأكثر وضوحا.

أما الموقف الليبي الذي تصر مصر على احتوائه فهو موقف لا يزال شاذًّا بجميع المعايير ويتذبذب بشدة بين الرفض والتحالف أو المواقف المستقلة والانصياع الكامل لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية حتى استقر في خاتمة المطاف في إطار الدائرة المصرية، وهو الأمر الذي حماها من الضغط الأمريكي أو المحاسبة الدولية على محاولاتها المتكررة التعرض بسوء لقادة دول أخرى.

أما دول المغرب العربي فقد استقرت جميعها في المعسكر الأطلسي الغربي إلا أن مواقف بعضها تجاه البعض الآخر متباينة شدا وجذبا محاكية التباين أو التقارب الذي نشهده بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وأوربا من جهة أخرى. فكلما احتد الأمر بين أمريكا وفرنسا ارتفعت درجة حرارة المواقف الجزائرية من الصحراء الغربية حتى صرح وزير خارجية الجزائر بأن مشكلة الصحراء تعتبر أهم عامل سياسي لمواقف الجزائر في سياستها الخارجية، ولم يلبث أن مر عام على هذا التصريح وهو العام الذي شهد تقارب وحميمية أمريكية فرنسية حتى سمعنا تصريحا آخر من الشخصية نفسها التي اعتبرت أن مشكلة الصحراء أولوية جزائرية ليقول بعد عام من تصريحه الأول بأن الجزائر غير معنية بالوضع في الصحراء الغربية.

وهناك الدائرة السورية التي غلبت مصلحة التحالف مع إيران ضد العراق طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية. وقد عانى العراق من هذه المواقف المخذلة له والداعمة لإيران حتى في جامعة الدول العربية جراء الموقف السوري حينئذ. وبسبب هذا التحالف، وثمنا له، أسهمت دمشق إسهاما مباشرا في قلب القوى السياسية اللبنانية رأسا على عقب دون الأخذ في الاعتبار الطبيعة المدمرة لوجود ولاءات غير عربية في قلب العالم العربي سوف تنجم عن ذلك.

إن ما سبق من مشاهدات، وإن كانت لا تعدو كونها ملاحظات متفرقة، فإنها أمر متكرر يطل برأسه كل عام ويتسجد على واقعنا بأشكال مختلفة كإلغاء القمة كما حدث في تونس أو التغيب الواضح عنها كما حدث في قمة الخرطوم.

أما الجامعة ممثلة في أمينها العام وموظفيها فقد حاولت بشتى الجهود تفعيل الإصلاح وإعادة هيكلة الجامعة في سبيل تحقيق الأهداف الإستراتيجية والمصلحة العليا للأمة العربية، إلا أن حالة التشرذم العربية والأنانية الذاتية لكل دائرة من الدوائر أحبطت جميع هذه المحاولات الجادة المخلصة وتجاهلت مطالب الشعوب في حدودها الدنيا. وليس أدل على ذلك من عدم إقرار تفعيل السوق العربية المشتركة، وهو الأمر الذي لا يؤثر كثيرا على المواقف السياسية المتباينة، ولكنه مع ذلك ظل يعاني من التنافس غير الصحي.

لقد نعت فيما سبق قمة بيروت بأنها قمة الفرصة الأخيرة التي إما أن نكون فيها أو لا نكون، فما كان منا إلا أن تقبلنا منع رئيس الدولة الفلسطينية من السفر إليها بل وحرمانه من التحدث عبر الأقمار الصناعية إلى قادة القمة، وأتبعنا ذلك بمبادرة سلمية في مواجهة مذبحة جنين التي واكبت أحداثها أحداث القمة!!.

ويبقى السؤال عن زمان ومكان رصاصة الرحمة التي ينتظر معها إنهاء عذابات الجامعة التي تلتف حولها الشعوب مؤملة مترقبة كما يلتف ذوو المريض ويتحلقون حول سريره والمريض في غيبوبة عميقة؟!!.

الكاتب: محام ومستشار قانوني سعودي

إسلام أونلاين

أضف تعليق