بعيدا عن المبررات التي وظفتها إدارة بوش الابن لغزو العراق خاصة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل ومخاطره على الأمن القومي الأميركي، فإن الوجه الآخر للغزو كان
تخليص العراق من الديكتاتورية وتحقيق الديمقراطية والحرية للعراقيين الذين حرموا منها خلال الفترة التي سبقت احتلال بلادهم، وما يثير الدهشة ما ذهب إليه مؤخرا السفير الأميركي في العراق عندما أكد أن الديمقراطية في العراق نجحت ولكن كلف ذلك بلاده كثيرًا.
وعندما نعرض هذه الشهادة لمسؤول أميركي يعيش واقع الحال في العراق ويرى ويسمع ما يدور على أرضه نستطيع القول إن إدارتي بوش الابن، ومن بعدها إدارة أوباما تحاولان تسويق احتلال العراق على أنه إنجاز حققته الولايات المتحدة للعراقيين من غير أن تدرك أن ما أقدمت عليه كان عدوانًا صارخًا وانتهاكًا لسيادة العراق تمثل باحتلال بلادهم خارج إرادتهم وإرادة المجتمع الدولي، معززا بشهادات لأبرز أركان إدارة بوش التي أكدت بطلان الحجج التي استخدمت لشن الحرب على العراق.
إن الديمقراطية التي يتحدثون عن تحقيقها في العراق هي كذبة ولا تمت للحقيقة بصلة، فالعراق أصبح أسير تجربة سياسية فاشلة أسست لديكتاتورية جديدة استخدمت شعارات لا تمت للواقع العراقي المعاش كغطاء لتمرير أهداف لا تقل خطورة عن أهداف الاحتلال.
فالعراق الآن وبعد مرور أكثر من تسع سنوات على احتلاله يرزح تحت وطأة الفقر والفساد والخوف وعدم الاستقرار من دون أمل قريب بالخروج من هذا الخانق الذي وضع العراق برمته على طريق مسدود يصعب الخروج منه.
لقد فات على المسؤول الأميركي رصد أحوال العراق والعمل المنظم لهدر ثروته، وتغييب وإقصاء مكونات أساسية للاستئثار بالسلطة والقرار السياسي لصالح طرف ما زال يتطلع إلى خارج حدوده لدعمه في سياسته الإقصائية.
وحتى نعرض خواتيم الأحداث ومسبباتها في جردة الحساب فإن الاحتلال الذي جلب للعراقيين (الديمقراطية والحرية) هو من أسس لنظام وضع العراق في دائرة التقسيم والتشظي عندما صدر لهم أسوأ نظام تمثل بالمحاصصة الطائفية التي فتحت شهية قوى ومكونات هدفها إضعاف العراق وتغييب عروبته وعمق ارتباطه بأُمته ومحيطه العربي، في محاولة لسلخ العراق عن عروبته وأُمته العربية، وهذا النظام تحول إلى كارثة وعطل الحياة وشل المجتمع وأهدر ثروات العراقيين، وحمى الفاسدين ومبددي المال العام؛ لأنه وفر الحماية لهؤلاء الذين يعبثون بأمن العراق ومستقبل أبنائه وحياتهم الكريمة.
فالديمقراطية التي صدرها الأميركان للعراق تجسدت في إلغاء الآخر والاستئثار بالسلطة عبر استخدام القوة والمال لتصفية الحلفاء قبل الخصوم وأصبحت هذه الديمقراطية سيفا مسلطا على المعارضين وحاميا للفاسدين والعابثين بالأمن والاستقرار.
لقد تحول العراق بفعل الديمقراطية التي كلف تحقيقها الكثير لمصدريها إلى ساحة للعبث بالحياة السياسية وملاذ للطامعين بالسلطة على حساب الوطن وحق مكوناته بتقرير مستقبلة وهويته.
فالحال الذي أوصلتنا عبره الديمقراطية الأميركية هو مزيد من الانقسام والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، واستعصاء إيجاد المخارج لأزمات الوطن الذي يعاني من مخاطر تقسيمه وتجزئته على أساس العرق والطائفة، ما وضع العراق في الفوضى والمجهول.
إن الذين يتحدثون عن تضحيات الأميركان من أجل حرية وديمقراطية العراق فإنهم كمن يذر الرماد بالعيون؛ فالديمقراطية التي صدروها للعراق هي فقاعة تلاشت على الأرض بفعل دخول العراقيين في المجهول والفوضى العارمة التي كلفتهم كثيرا وما زالوا يدفعون ثمنها الباهظ.
ونختم بالقول عن أية ديمقراطية يتحدثون وقد كلفت هذه الكذبة العراق أكثر من مليون إنسان وضعفهم معوقون ونحو ثلاثة ملايين مهجر وثلاثة ملايين يتيم ومعوق، ونحو مليوني أرملة إضافة إلى مئات آلاف المعتقلين يضاف إلى ذلك ضياع أموال العراق التي تجاوزت نصف تريليون دولار ذهبت إلى غير مقاصدها إلى جيوب المفسدين واللصوص وتجار الحروب.
ديمقراطية برسم الفوضى / احمد صبري
