بعد ثلاث سنوات من احتلال العراق، يسود حكم الميليشيات كما لم يحدث من قبل، وترزح البلاد تحت وطأة مطرقتي الاحتلال والارهاب.
شهد هذا الشهر قبل ثلاثة اعوام ابشع احتلال لبلادنا لم يشهد عصرنا الحديث مثيلا له في قسوته وبشاعته واجرامه، حيث تم تدمير الدولة العراقية بمؤسساتها المدنية والامنية والعسكرية والاقتصادية كافة، وقتل ما لا يقل عن مئة الف من المواطنين العراقيين خلال عملية الغزو فقط، واستبيحت منازل المواطنين ومؤسسات الدولة الثقافية والتراثية والفكرية ونهبت الموجودات الصناعية والاقتصادية وغيرها وبيعت خردة في اسواق بعض الدول المجاورة وسرقت بلايين الدولارات من ثروة العراق واحرقت المكتبات ودور الثقافة التي كانت تضم كنوزا من الكتب والمخطوطات القديمة لا تقدر بثمن.
وفرض نمط من الارهاب على الشعب العراقي لم نشهد مثيلا له في الدول التي خضعت لاحتلال اجنبي في العصر الحديث او العصور الماضية.
والمفارقة اللافتة للانتباه ان هذا الاحتلال جاء بدون غطاء شرعي من مجلس الامن الدولي، او من القانون الدولي اضافة الى تهافت مبررات الاحتلال التي طرحها المحتلون المجرمون وتساقطها الواحد اثر الاخر على صخرة الحقائق الدامغة.
ومن اجل اضفاء غطاء مهلهل من المشروعية لهذا الاحتلال فقد استجلبت مجموعة من العملاء لاقامة مجلس بائس للحكم كما شكلوا من البعض الاخر وزارة منيت هي والمجلس المذكور بالفشل الذريع واصبحا موضوعا للتندر والتهكم والسخرية من عموم المواطنين العراقيين خصوصا بعد ادعاء قوات الاحتلال باعادة السيادة الوطنية لهم.
وشهد هذا الشهر من العام الحالي بروز ظاهرة حكم المليشيات في بلادنا اكثر من اي شهر مضى باعتراف ممثلي الامم المتحدة وسفير دولة الاحتلال في العراق وكبار مسؤوليها السياسيين والسكرتير العام للامم المتحدة (آخر تقرير للامم المتحدة صدر يوم الخميس الماضي اثار مخاوف بشأن حقوق الانسان في العراق مشيرا الي أن فرق الموت التي تعمل "داخل هياكل" وزارة الداخلية نفذت عمليات قتل داخل بغداد وحولها ووجه الاتهام الى قوات الامن العراقية خاصة الشرطة والقوات الخاصة بالتواطؤ مع الميليشيات لارتكاب انتهاكات لحقوق الانسان) وارتكاب هذه المليشيات مجازر عديدة في مناطق مختلفة ضد عراقيين ابرياء راح ضحيتها الالاف منهم كما قامت مليشيات هذه الدولة باعتقال وخطف العديد من المواطنين وزجهم في المعتقلات والسجون السرية والمخابئ الخاصة.
وفرض جو من الارهاب على مناطق واسعة من بغداد من خلال الهجومات الشرسة على منازل المواطنين ليلا ونهارا وباسلوب يتسم بالشراسة والعدوانية والاستهتار بالقيم الانسانية والاجتماعية وحقوق الانسان. ودفعت بالبلاد الى حافة حرب اهلية ما زالت تهدد باندلاعها بين يوم وآخر. وفي هذا الشهر فشلت ثلة المتواطئين والعملاء من المشاركين في اللعبة السياسية التي نسجت خيوطها قوات الاحتلال في الاتفاق على تشكيل وزارة بالرغم من مضي اربعة اشهر على لعبة الانتخابات الزائفة، وتعمق حالة الصراع بينهم على توزيع الحصص من الغنيمة العراقية على اسس طائفية واثنية وحزبية، حتى باتت تهددهم بالانهيار الكامل للوضع السياسي والامني في آن واحد.
ولكي لا ننسى، علينا ان نتذكر دائما ان هذا الشهر حسبما ورد على لسان باقر صولاغ في مقابلة خاصة مع وكالة الانباء الكويتية (كونا). شهد للمرة الاولى الكشف عن بعض حلقات التواطؤ والتنسيق بين المحتلين الامريكان وبين الجمهورية الاسلامية الايرانية في ما يتعلق بالشأن العراقي.
والى جانب ما حمل هذا الشهر من المآسي والالام والنكبات والتدمير والقتل لشعبنا العراقي ابتداء من اذار عام 2003 وعلى امتداد الاعوام الثلاثة الماضية، فقد مثل للعراقيين ولادة اشرف واعظم وليد تجسد بظاهرة شهدها هذا العصر تلك هي ظاهرة المقاومة الوطنية العراقية الباسلة بسرعة قياسية وشجاعة عالية ونشاط متواصل، فاجأ قوى الاحتلال والمتواطئين معه من عراقيين وغير عراقيين وغير حساباتهم ومخططاتهم كما اربك وافشل استراتيجياتهم ليس على مستوى العراق فحسب بل على مستوى المنطقة العربية كلها.
فبالتصدي البطولي للاحتلال وقواته العسكرية واستدراجها الى مواقع القتل وتعريضها الى خسائر متواصلة بالارواح والمعدات وجد المحتلون انفسهم في دوامة من التخبط وردود الافعال والتصرف بهستيريا وعدم التوازن.
وبمقدار ما تحاول قوى الاحتلال الاجنبي جر البلاد الى حرب اهلية او طائفية خدمة لمصالحها كانت المقاومة تتمسك بالمقدار نفسه بل واكثر، بخطها الوطني المرسوم بدقة وذكاء وتركيزها على مواجهة الاحتلال والناي بنفسها عن الوقوع في شرك القوات المحتلة او المتوطئين معها من العراقيين.
واخيرا وليس آخرا ففي اواخر هذا الشهر ستتوقف صحيفة الوفاق الديمقراطي عن الصدور، الصوت الوطني العراقي الحر، المتميز بمقالاته، وتحليلاته، ومتابعاته، ودفاعه الجريء عن الوطن والشعب، لاسباب لا فائدة من الحديث عن تفاصيلها في حين تشهد فيه الساحة العراقية الاعلامية صدور العشرات من الصحف والمجلات اليومية والاسبوعية، اضافة الى عدد كبير من القنوات الفضائية التي تنفث سمومها القاتلة ليلا ونهارا، ضد مصالح شعبنا العراقي ووحدته الوطنية، بتمويل ورعاية، ودعم مباشر من قبل قوات الاحتلال.
انه ثمن الاستقامة والنزاهة ندفعه الى جانب ما يدفعه كل ابناء شعبنا الابي من دمائهم وجهودهم وتضحياتهم دفاعا عن كرامة الانسان العراقي وحريته وستستمر مسيرتنا على الطريق ذاته حتى يتحقق النصر لشعبنا العراقي، بطرد الغزاة المجرمين من على ارض العراق واستعادة حريته وسيادته الكاملة.
ميدل ايست اونلاين
كي لا ننسى...صلاح عمر العلي
