مسيرة تشكيل حكومة عراقية جديدة وما رافقها من تعثر وملابسات بل التباسات، تثير الحيرة وتطرح تساؤلات جمة. بل هي تدعو إلى الارتياب لكثرة ما أحاط بها من تضاربات وتبدلات وخلط أوراق.
وما يحمل على ذلك ان مخاضها الطويل، المتواصل منذ حوالي أربعة أشهر، يتناقض مع سرعة الحسم، الذي اتسمت به الفصول السابقة من العملية السياسية.
لا سيما وأن إدارة الرئيس بوش مستعجلة، الآن أكثر من أي وقت مضى، لإنضاج المتبقي من حلقات هذه العملية؛ على اعتبار أنها توفرّ لها مخرجاً أو غطاء لنقل قواتها من المواجهة الميدانية اليومية، ووضع المهمة الأمنية في عهدة القوات العراقية الجديدة.
فانتخابات الكونغرس على الأبواب ـ تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل ـ والضغوط السياسية الداخلية، خاصة من جانب قوى في حزبه الجمهوري تتزايد لإبعاد القوات الأميركية عن الدور الأمني وتقليص خسائرها قبل أواسط الصيف؛ على أبعد حدّ.
وليس سراً أن لواشنطن باعا طويلا، كقوة احتلال، في الشأن العراق، وبالتحديد فيما يتعلق بالعملية السياسية وقراراتها. فهل في الأمر عقدة مستعصية فعلاً حكمت بحضور رايس وسترو أو أن هناك لغزا يلفّ هذا التعقيد؟!!
الحلقات السابقة أخذت مجراها ضمن مواعيد زمنية محددة، فعلى الرغم من حداثة التجربة والصعوبات التي واجهتها ناهيك عن الشوائب التي رافقتها والاعتراضات التي حاولت الوقوف في طريقها، الا ان الاستحقاقات المتتالية كانت تجري في أوقاتها المحددة.
من الإدارة الذاتية الى الحكومة الانتقالية مروراً بالانتخابات الأولى وحكومتها ثم تشكيل الهيئة الدستورية فالاستفتاء وانتهاء بحكومة د. الجعفري التي تقوم الآن بتصريف الأعمال.
في كل تلك المراحل كان يجري التقيد بالسقف الزمني المحدد، وكان قد قيل وتردد ان الحكومة الجديدة المنبثقة عن الانتخابات الاخيرة لن تتأخر ولادتها.
وانه مع حلول الربيع تكون التعديلات الدستورية المتفق عليها قد تم انجازها على ان يتلو ذلك استفتاء أخير تستكمل على أخره عملية البناء السياسي للعراق الجديد، لكن فجأة تغرق العملية في التأزيم وتهبط حركتها إلى سرعة سلحفاة!!.
وفجأة، أيضاً، تحضر الوزيرة رايس مع الوزير سترو، على عجل، إلى بغداد ويقومان بجولة على مدى يومين، تشمل معظم القوى الفاعلة على الساحة السياسية العراقية لاستعجال تأليف الحكومة.
وتجدر الإشارة إلى ان هذا التحرك الأميركي ـ البريطاني المباشر والضاغط جاء في أعقاب قرار إدارة الرئيس بوش بفتح حوار مع إيران «حول الملف العراقي»، كذلك جاء بالتزامن مع عودة التصعيد المتبادل بين طهران والثنائي الأميركي ـ البريطاني، فالأولى أعلنت عن تجارب صاروخية ناجحة، والثنائي نسبت إليه تسريبات تتحدث عن سيناريوهات عسكرية ضد إيران، في المستقبل القريب!
هل العراق بات ورقة في المعمعة الدبلوماسية أو الحربية الأميركية ـ الإيرانية؟! وهل المسارعة إلى ترتيب وضعه الحكومي يندرج في هذا السياق؟! هل باطن هذا التحرك ملغوم خلافاً لظاهره المزعوم؟! وكيف؟! ولماذا نسفت التحالفات وتصدعت التوازنات؟!
أسئلة، بل مخاوف، مشروعة، لكن إذا كانت القوى الإقليمية أو الدولية تتطلع وتعمل على توظيف الورقة العراقية لخدمة حساباتها وصراعاتها فالرد على ذلك لا يكون.
ولا يستقيم بإدانة مثل هذا التوظيف فقط من باب انه تدخل في شؤون العراق الداخلية والسيادية ـ وهي إدانة في محلها. الرد الفعّال يكون بتجاوز القوى العراقية لصراعاتها الثانوية كي تقوى على إحباط هذا التلاعب بمصير الوطن وحمايته من شرّ الصفقات التي يجري حبكها على حسابه.
عقدة مستعصية أم لغز؟! رأي البيان
