امام استمرار الابادة المنظمة للعراق شعبا ودولة وحضارة: مسؤولية المقاومة العراقية بعد رحيل قوات الاحتلال
‘لو صففت على رمال الصحراء جثث الأطفال الذين تمزقت أجسادهم أشلاءً، أو أحرقت حيّة، أو أمطرت برصاص غزو العراق واحتلاله، وسِرْتَ بجانب الصفوف لمشيتَ أميالا وأميالا من الجثث الملتوية وبقايا اللحم البشري الممزق والأحشاء المندلقة … الوجوه الشاحبة والعيون الشاخصة أبداً في اللاشيء. تلك هي حقيقة ماحدث في العراق ولا توجد حقيقة أخرى’.
بهذه العبارة افتتحت الناشطة البلجيكية "بياترس (بي) كنتانه" شهادتها أمام محكمة (كوالا لامـــبور) لجرائم الحرب في العراق والتي جرت خلال الأسبوع الماضي وقضت بتجريـــم بوش وعددٍ من مساعديه وفق ميثاق المحكمة العسكرية في "نورمـــبرغ" نفســــها التي أسسها الحلفاء ضد النازيين بعد الحرب العالمية الثانية.
ووصفت "كنتانه" القتل غير المباشر لــ( 3.5 ) مليون طفل عراقي يعيش في فقر مدقع، و ( 1.5 ) مليون يعاني من نقص في التغذية و( 100 ) طفل يموت يومياً، عدا عن أعداد المعوقين والمشردين والمصابين بالسرطان والتشوهات الخلقية جراء التعرض لأسلحة محرمة وضحايا الألغام واللاجئين والأيتام والمتسربين من المدارس والمنتهكين في سوق النخاسة والمحرومين من فرص التعليم والتطبب واللهو والحياة الطبيعية.
ولو أن "كنتانه" أضافت أعداد ملايين العراقيين نساءً ورجالاً ممن أبيدوا جراء الغزو والاحتلال (يتراوح الرقم بين 1.5- 3 مليون) إلى الأطفال فإن أجداثهم ستغطي وجه الصحراء.
استمعت المحكمة أيضاً إلى شهادات أولئك الذين أوصلهم حظهم العاثر إلى سجون ( أبوغريب، والمطار، والجادرية، ... وغيرها كثير ) مما نعلم ولا نعلم: قصص يشيب لها الرضيع من الوحشية والبشاعة والقسوة والإجرام المطلق، شهود أكدوا محقيّن أن ما رآه العالم من صور أبو غريب ليست سوى الثُمن الطافي من الحقيقة.
ولا أدري من هم ‘أتعس حظا’ هؤلاء الشهود أم الآلاف غيرهم ممن ماتوا تحت التعذيب!!.. محكمة كوالا لامبور واحدة من سلسلة طويلة من محاكم الضمير التي جرت خلال السنوات التسع الماضية في العديد من مدن العالم مثل ( إسطنبول، وبرشلونة، وطوكيو، ولشبونة، ... وغيرها ) وهي محاكم شعبية رمزية يتم فيها كل شيء حسب الأصول الإجرائية للمحاكم من تحقيقات وشهادات وادعاء ودفاع كما في المحاكم الدولية، لا فرق سوى أنها لا تملك صلاحية تنفيذ الأحكام التي تصدرها، وهذه بذاتها إدانة ضمنية واضحة للنظام القضائي العالمي والقانون الدولي برمته ومؤسساته الرسمية كلها.
مافعله الاحتلال فضلاً على الإبادة الجماعية للبشر هو تفكيك الدولة العراقية بمؤسساتها وكوادرها، مما سمّاه "ريموند بيكر"، البروفسور في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وآخرون باستراتيجية إنهاء الدولة في كتابهم التطهير الثقافي في العراق ( لندن، ونيونيورك 2010 ).
ولم يقتصر تدمير مؤسسات الدولة على تخريب الأبنية واغتيال الكوادر وتهجيرها وتمزيق البنى التحتية فحسب.. بل إنهاء القوانين والنظم الإدارية وآليات الإشراف والتدبير، وأيضا إنهاء الدولة بوصفها رمزاً للهوية القومية، تلك الإبادة التي بدأها "بريمر" ونفذها وأدامها من عيّنهم بعده، فصارت نهباً لكل من هبّ ودب ممن لا يملكون من الكفاءة سوى الولاء للمحتلين بكل جنسياتهم.
الدولة العراقية اليوم دولة فاشلة بشهادة المؤسسات العالمية المختصة، مسخ يسيطر عليه الفساد ويسيّره البطش، حيث يستخدم السياسيون القوات الأمنية والميليشيات للتنكيل بالأعداء وترويع المواطنين.
وأما القانون فليس أكثر من سوط ملتو يلهب ظهور الخصوم السياسيين للحكومة ويتستر على فضائح المتحالفين معها. ويجد رموز العملية السياسية في المناصب مكاسب شخصية وسلطة مطلقة للتنكيل بعباد الله وليست مجرد وظائف عامة لخدمة الناس أولا وأخيرا، وهكذا صارت مسؤوليات الدولة من توفير الخدمات والأمن وفرص العمل خارج اختصاصاتهم النادرة جداً!؟. تدير الدولة شُلل (سمّوها أحزابا سياسية) استمدت سبب وجودها من كرهها للنظام السابق وعندما فقدت سبب الوجود ولأنها أصلا بلا أيديولوجية ولا مشروع ولا منهج سوى الهوية الطائفية أو الإثنية أو المناطقية أو العائلية، لم يبق أمامها سوى التشبث بالسلطة والذي ترجموه إلى حرب جبانة على أبناء وطنهم متسلحين بقانون الاحتلال. وهم ليسوا شركاء سياسيين في ما بينهم بل ( حلفاء / أعداء ) مؤقتون يميلون حيث الضمانة ليوم آخر من مكتسبات السلطة، وجميعهم بلا استثناء مسؤولون عما حاق بالعراق من جرائم وفوضى مدمرة.
وأما واشنطن فإن ما يهمّها في أية (حكومة) عراقية هو تأمين قمع أي تيار مقاوم لمصالحها، عدا ذلك فليفعل كلٌ ما يحلو له، وهكذا فإن المشهد العراقي اليوم كافكوي بامتياز.
أبناء المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط يعيشون في المزابل بمعنى الكلمة وليس مجازياً، وهم يرون كيف أن أحزاب العمائم التي تتاجر بالمظلومية تسرقهم في وضح النهار وتقتتل في ما بينها، وأبناء محافظات الوسط يعيشون حالة من الترقب مع كل متغير خشية حملة جديدة من الاعتقالات والتنكيل باسم ‘المادة الرابعة إرهاب’، وأما الأحزاب الكردية فأنها ترقص على جميع الحبال ويهمها أكثر من أي شيء آخر أن يبقى المركز ضعيفاً لكي تمارس انفصالها الفعلي.
ورئيس الحكومة يردد مرسخاً ثقافة الثأر أن ‘لكل حسين يزيده’ ويعلن أنه طائفي أولا وقبل كل شيء ويحتفظ جنب مكتبه بقواته ومعتقلاته الخاصة التي يشرف عليها ابنه وأبناء منطقته.
ومجلس النواب بلا حول ولا قوة، موبوء حتى النخاع هو الآخر بالفساد والطائفية.. ولكن هذا كله في كفة وغسيل الأدمغة الذي يمارس على العقول الشابة والفتية في كفة أخرى، تشويه للتاريخ وللدين وللمواطنة وللعلاقات الإنسانية ولمكانة المرأة وعودة ماراثونية إلى الوراء.
ولكي لا يبقى السؤال معلقا: إلى متى ترتكب كل هذه الجرائم ضد للعراقيين؟ ومن ينصفهم؟ فإن الجواب ببساطة: لا أحد سواهم، هم أنفسهم، تقف معهم أصوات كل القوى الخيرة في العالم أمثال من نظموا محكمة كوالا لامبور أعلاه وقبلها كثير.
وهذا ما أدركته المقاومة منذ اليوم الأول للغزو وعملت على إخراج المحتل ونجحت في ذلك. ولكن التحرير لم يتم، لأن الاحتلال لم يكن عسكرياً فقط. بل إن الجانب العسكري كان الصفحة الأولى والأسهل فيه كما يردد مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "جوزيف ناي" مؤلف كتاب القوة الناعمة ( 2004 ) الذي يبشّر بنظرية جعل الآخر يفعل ما نريده منه دون عصا ولا جزرة، بل بمحض ‘إرادته’.
ومن دون مزيد من الاستطراد نقول إن المقاومة العراقية مسؤولة الآن أكثر من أي وقت مضى عما سيؤول إليه الحال ما لم تتحرك فوراً لوقف نزيف الدم والمال والدولة والثقافة. بل إن العراق كبلد وخريطة على الأرض مهدد بالزوال، وهذه ليست تكهنات من عندياتي. ( انظر مقالة "باركر نيد" ‘العراق الذي تركناه وراءنا’ في مجلة الشؤون الخارجية نيسان 2012 ) ولست أقصد بالمقاومة العراقية من حمل السلاح بوجه المحتل فقط، بل كل العراقيين المدركين لفداحة الموقف والغاضبين مما آل إليه الحال , كل السياسيين والمثقفين والنشطاء، كل المنظمات والتجمعات والتشكيلات التي عارضت الاحتلال، بكل انتماءاتهم السياسية والمذهبية والدينية والقومية وتوجهاتهم الفكرية، في العراق وخارجه.
آن الأوان لتشكيل جبهة شعبية تضم كل فعاليات العمل المقاوم (تتقدمها المقاومة المسلحة) لتكون الوجه الحقيقي الممثل للشعب العراقي، ولتكون المرجعية الوحيدة للجميع في ما يخص أمور تحرير العراق، أمام العراقيين وأمام العالم. ليس الأمر صعبا ولا مستحيلا، بل أنه متحقـــق فعلاً وكل ما يحتاج إليه هو شيء من التنسيق، غير أنه بات الآن واجباً لا مناص منه.
وإذا كان العراقيون قد احتاجوا إلى نحو أربعة عقود ليتحرروا فعلاً من الاستعمار البريطاني بعد ثورة العشرين، فإن الموقف الآن مختلف، بعد أن أدرك العراقيون أولاً والعالم كله أن الحرب على العراق بنيت على أكاذيب اعترف المعنيون بها أنفسهم أمثال ( كولن باول، والبرادعي، وهانز فون سبونك، .. وغيرهم )، بل حتى عملاء في وكالة المخابرات المركزية. ولقد أصدر هؤلاء وغيرهم أطناناً من الكتب والوثائق والشهادات التي تؤكد هذه الحقيقة. "لا أسلحة دمار شامل، ولا علاقة للعـــراق بالإرهاب ولا تحقيق الديقراطية وحقوق الإنسان". نحن نعرف ذلك دون شهادة من أحد لأننا عشناه يوماً بيوم خلال أكثر من عقدين من الحصار الاحتلال. ولكن كل هذه الوثائق تدعم موقفنا أمام العالم، وإن كانت تنكأ الجروح.
لم يعد لمّ شمل جهود المقاومة إلى بعضها اختيارا بين خيارات أخرى. بل إن تشكيل جبهة موحدة تضمّ جميع المقاومين من أجل التحرير فحسب، ومن أجل بناء دولة عراقية قائمة على سيادة القانون الذي يضعه أبناؤها، على العدالة في أن ينال الجميع استحقاقهم، على احترام الآخر واختياره في التفكير والعقيدة والممارسة، على التعددية وإعطاء الفرص للجميع، لم يعد هذا كله اختياراً، بل بات واجباً حتمياً من دونه تظل الجهود مشتتة ونظل نبحّ أصواتنا في المحافل الدولية التي يصغي فيها إلينا الجميع، ثم يغادرون القاعة آسفــــين على ما حل بــــنا دون أن نضع بين أيديهم برنامجاً محدداً واضحاً لما نريده وما نقوم به من اجل التحرير الكامل. وأخشى أن تبديداً من هذا النوع لجهود المقاومة ونحن بأمس الحاجة إلى كل جهد مهما صَغُر حجمه، يكون هذا التبديد مساهمة غير مباشرة في استمرار الإبادة المنظمة للعراق شعباً ودولة وحضارة، ولا يجوز للمقاومة بعد ذلك أن تلوم غير نفسها، ولا يجوز لنا نحن المطالبين بتوحيد الجهود أن نلوم المقاومين بالسلاح، ما دمنا نحن أنفسنا لا نجمع جهودنا في صوت عراقي واحد يطرح قضية الإبادة المستمرة ويعمل مع المنظمات العالمية على إنهائها وتجريم مرتكبيها. والدعوة عامة لكل المقاومين.
كاتبة من العراق *
صحيفة القدس العربي
مسؤولية المقاومة العراقية بعد رحيل الاحتلال/ ايمان احمد خماس
