علق الحاكم المدني (السفير) الأميركي على العراق، زلماي خليل زاد، في مقارنته للأوضاع بين العراق وأفغانستان، بان حكومته فتحت صندوق باندورا بالعراق، بحيث ما حصل بحكومة الطالبان بأفغانستان مثل لعب أطفال مقارنة بما يحصل اليوم بالعراق. فماذا يطلق على ما تقوم به قوات الاحتلال الأميركي- البريطاني وحلفاؤها بالعراق هذه الأيام؟.
قتل عائلات كاملة وتفجير بيوتهم لمحو كل اثر للقتلة والمجرمين الذين اقترفت أياديهم الفظائع والأهوال والعذابات الوحشية. إضافة إلى عمليات الخطف والاغتيالات المستمرة ورمي الجثث بالطرقات العامة، مقيدة ومعذبة ومعدومة بالرصاص المباشر بالرأس أو بالذبح من الرقبة أو بالمثقاب الكهربائي أو شنقا، هل هذه لعب جديدة؟، لعب تتفنن بها قوات الاحتلال وفرقها ومرتزقتها وتمارسها بكل وحشية وصلافة، وترتكبها في وضح النهار وفي الشوارع العامة أو في الأحياء والأسواق المأهولة، أو ضد التجمعات العامة في المساجد والحسينيات والكنائس والمراقد المقدسة، وهي مطمئنة على التنصل منها والانسلال من تبعاتها وتداعياتها ورميها على من يمكن أن تتهمه في المكان والزمان الذي يصبح فيه اللعب مشهدا دراميا على المسرح العراقي اليومي، وكيلا تصبح الفضيحة صارخة وتجهد في التكتم عليها، لاسيما في الغرب في اكثر الأحيان، حيث تخشى من ردود أفعال داخلية وإثارة الرأي العام عليها، إلا أنها لا تحرج حين تعلن فيه إنكارها لما حصل وتدعي أنها ستقوم بالتحقيق فيه، وتحث بوسائلها الخاصة لنشرها كالشائعات اليومية أو كمنشورات الليل السرية التي يراد منها زيادة الرعب والتخويف للعائلات الاخرى المحمية بكل الاتفاقيات الدولية، الملزمة لقوات الاحتلال في تحمل مسئولية أمن وضمان رعاية المواطنين الأبرياء الآمنين.
بعد كل جريمة وفضيحة يعلن الاحتلال عن تحقيق آخر، بلا نتائج أو إجراءات، ولا يصف الحقيقة ولا يرد على الوقائع المتزايدة، بل يزيّن الفظائع ويسميها مزاعم، مثل مجزرة مدينة حديثة التي راح ضحيتها خمسة عشر مدنيا، من عائلتين، بإطلاق قوات المارينز الرصاص عليهم. هذه المجزرة نقلتها وسائل الاعلام الغربية ب- "حوادث قتل" وقعت في وقت مبكر من صباح يوم 19/11/2005 إثر مقتل أحد المارينز وجرح اثنين آخرين في انفجار قنبلة ألقيت على عربتهم المصفحة من على جانب طريق في مدينة حديثة. وكانت قوات الاحتلال الأميركية قد أصدرت بياناً في حينه أفاد أن المدنيين العراقيين قد قضوا في الانفجار نفسه. ولكن تحقيقاً عسكرياً أولياً أخفى حقيقة إعدامهم رمياً بالرصاص في منازلهم من قبل المارينز. وذكر تقرير للمحتلين حينذاك، حسب بي بي سي (21/3/2006): أن "المتمردين" فتحوا النار من كل الاتجاهات على عناصر المارينز ونشب قتال بالنيران بين الطرفين قتل على أثره ثمانية من المهاجمين. وأضاف التقرير أن القتلى المدنيين الخمسة عشر - بمن فيهم ثلاثة شبان- لقوا حتفهم في الهجوم الأولي. لكن أقارب القتلى والناجين والأطباء الذين رأوا الجثث أكدوا أن الضحايا قتلوا بإطلاق المارينز رصاصا عليهم وهم في ثياب نومهم اثر اقتحام منازلهم.
وكالعادة اكتفت قوات الاحتلال بما أعلنت، وكان يمكن للقصة أن تنتهي عند ذلك الحد لو لم تقم مجلة التايم بتحريك الموضوع من جديد. حيث قدمت المجلة في شهر يناير 2006 إلى قيادة الاحتلال ببغداد الدليل الموثق عن المجزرة. فأعلن عن تحقيق عسكري جديد اعترف بقتل العائلتين العراقيتين على أيدي المارينز. ولكنه وصف جريمة القتل بأنها عبارة عن ضرر حصل بالتوازي مع الهجوم.
إذن إنكار الإدارة الأميركية للاحتلال بات روتينيا، والتبجح بكل الوسائل لإخفاء الحقائق والخداع في نقلها، خاصة فيما بات موثقا، مثل القضية التي اتهمت الشرطة العراقية رسميا قوات الاحتلال بقتل عائلة في منزلها منتصف مارس 2006. وحسب وكالات الأنباء أن قوات الاحتلال أنها ستحقق بشأن غارتها على بيت العائلة المنكوبة، بسبب التضارب بين تقرير الشرطة وتقرير قواتها الذي قال إن أربعة أشخاص فقط هم الذين قتلوا، وأنها اعتقلت خلالها أحد المشتبه في انتمائه إلى القاعدة. بينما أكدت الشرطة المحلية أن 11 شخصا من بينهم خمسة أطفال تحت سن الدراسة وجدوا مقيدين ومقتولين بالرصاص. وأصرت قوات الاحتلال على خبرها، الذي كذبته الوقائع التي صورها صحفيون محليون وتبين أنها جثث خمسة أطفال صغار وأربع نساء ورجلين.
دون خجل أذاع الناطق الرسمي الأميركي بعد كل هذه الوحشية المصورة: "قلنا مرارا أننا نعرف أن أربعة أشخاص قتلوا بعد أن تعرضت قوات التحالف لنيران مباشرة من المنزل مما أسفر عن اشتباك كثيف لإخماده". وأضاف "كان بين القتلى امرأتان وطفل". ولكن شهود عيان اكدوا: "سمعنا إطلاق نار على مدى 20 دقيقة ثم سمعنا صوت القنابل. بعد أن غادر الأميركيون ذهبنا إلى المنزل ووجدنا 11 شخصا غارقين في الدماء في غرفة واحدة. كان خمسة منهم أطفالا، مربوطين بأغلال من البلاستيك." ونقلا عن رويترز "حتى الرضيع حسن الذي لم يتجاوز عمره ستة اشهر قتلوه بالرصاص. وأطلقوا النار على امرأة في الخامسة والسبعين في رأسها". وبالقرب من المدينة وفي مكان آخر اتهمت الشرطة القوات الأميركية بقتل صبي في الثالثة عشرة من عمره ووالديه في منزلهم يوم 12/3/2006 وأيضا خمسة أشخاص آخرين. بينما أعلنت قوات الاحتلال أن جنودها قتلوا سبعة "إرهابيين" هاجموا دورية بالقنابل.
ماذا تعني كل هذه الجرائم الموثقة بالصورة والشهادة الجماعية، وازدياد عدد الجثث يوميا، بما يعلن رسميا منها وما يصل إلى المستشفيات أو تصل أخباره إلى وسائل الاعلام، وما لا يعرف من المفقودين والبعيدين عن الجهات الرسمية أو الاعلام؟. ويبدو انه صار اعتياديا أن تنشر وسائل الاعلام كل يوم اكثر من خبر يقول: عثرت السلطات العراقية على عشرات الجثث في موقع ما، شمال أو جنوب أو شرق أو غرب العاصمة بغداد، أو وصل عدد الجثث التي تم العثور عليها خلال يوم واحد إلى عدد كبير يتجاوز العشرات... والجثث التي عثر عليها وجدت مقيدة الأيدي والأرجل ومعصوبة الأعين، كما بدت عليها آثار التعذيب ووجدت في حافلة مهجورة أو مدفونة في إحدى الضواحي أو على شاطئ أو في منطقة ما. وهكذا يتكرر الأمر كل يوم والأوصاف تتباين حسب أهداف الجهات التي تنشر الأخبار أو تصيغها وتروجها وتريد منها ما تريد من مسلسلات يومية للقتل الجماعي والعشوائي والمنظم والموجه من مصادره.
فهل هذا ما خططته إدارة بوش للعراق الجديد؟ وماذا تسمى مثل هذه "الاعمال"؟!!.
المصدر :التجديد العربي
لعبة قتل العائلات ورمي الجثث... د.كاظم الموسوي
