أصدر الشيخ الدكتور عبد الحكيم عبدالرحمن السعدي فتوى بخصوص حملات الدهم والتفتيش والاعتقال التي تشنها القوات الحكومية عبر أجهزتها العسكرية المختلفة ، وجاءت الفتوى في معرض جوابه عن سؤال حول حكم الموت بسبب المداهمات التي تقوم بها قوات الشرطة المسلحة؟
وأفتى الدكتور "السعدي": بأن القيام بالمداهمات للبيوت الآمنة حرامٌ شرعاً، وجريمةٌ عرفاً، وانتهاكٌ لحقوق الإنسان. وأن الاحتجاج بأن ذلك من أجل القبض على المجرمين إنما يقوم على حجة واهية. لأنها توجه ضد من لم يعرض على القضاء بعد وفي هذه الحال فإنه مازال يعد بريئاً في عرف القانون حتى تثبت إدانته، أما إذا كان مداناً فإن القبض عليه يمكن أن يتم بطريقة لا تؤدي إلى مفسدة أعظم وهي التسبب في قتل الأبرياء، ولم يرد في السنة ولا في عمل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا التابعين من فعل ذلك. وأن على فاعل المداهمات عقوبة القاتل ( شبه العمد )، على رأي من قال إنها شبه عمد، وهي الدية المغلظة والكفارة، وهو مذهب الجمهور. والقصاص على رأي من يرى أنها قتل عمد، وهي في كل الأحوال تعد من جرائم قتل النفس عند الله تعالى، لعموم النصوص الواردة في ذلك.
وتكلم الشيخ الدكتور عبدالحكيم السعدي حول كثرة المداهمات التي تقوم بها القوات الحكومية عبر الأجهزة العسكرية المسلحة ، وأنها تعد استمراراً لحملات الدهم والاعتقال التي كانت قوات الاحتلال الأمريكية تشنها ضد المواطنين ويعينهم فيها قوات من الأجهزة الأمنية الحكومية وبعض المليشيات، والآن تقوم بها قوات من الشرطة والجيش واستمرت على نفس الوتيرة وبأساليب العنف ذاتها لمداهمة البيوت والمحلات العامة والخاصة؛ بذريعة إلقاء القبض على المجرمين.
وقال الدكتور السعدي: أن تلك المداهمات تسببت في موت كثير من الآمنين، خلال إصابتهم جراءها بالجلطة أو السكتة أو ما إلى ذاك.
وبيّن الدكتور "السعدي": إن تحديد نوع هذا القتل بسبب المداهمة وبيان حكمه الشرعي يدور حول أنواع القتل التي ذكر أنواعها وتوصيفها جمهور الفقهاء في تقسيمهم لأنواع القتل، وهي (القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ).
وذهب إلى أن الموت الذي تسببه تلك المداهمات بعد التدقيق في صورته التي يقرر عليه أن هذا الموت ( قتل من النوع الثاني وهو القتل شبه العمد )؛ لأنه يعد قتلاً بتعمد في الفعل وهو المداهمة والمباغتة عمداً. ولأنه يتم بالتسبب في القتل عمداً، والقتل بالتسبب يعد قتلاً عند كثير من الفقهاء. ولأنه غالباً ما تكون المداهمة ليلاً عندما يكون الناس في مأمنهم، مما يؤدي إلى الذعر والفزع لدى البيت المداهَم، فهي خارجة عن الأخلاقيات في حفظ الأمن وتتبع المجرمين لأنها إرهاب وتخويف وتَكَشُّفٌ على عورات الناس.
ورأى الدكتور "السعدي": أن القيام بالمداهمات للبيوت الآمنة حرامٌ شرعاً، وجريمةٌ عرفاً، وانتهاكٌ لحقوق الإنسان. وأن الاحتجاج بأن ذلك من أجل القبض على المجرمين إنما يقوم على حجة واهية. لأنها توجه ضد من لم يعرض على القضاء بعد وفي هذه الحال فإنه مازال يعد بريئاً في عرف القانون حتى تثبت إدانته، أما إذا كان مداناً فإن القبض عليه يمكن أن يتم بطريقة لا تؤدي إلى مفسدة أعظم وهي التسبب في قتل الأبرياء، ولم يرد في السنة ولا في عمل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا التابعين من فعل ذلك. وأن على فاعل المداهمات عقوبة القاتل ( شبه العمد )، على رأي من قال إنها شبه عمد، وهي الدية المغلظة والكفارة، وهو مذهب الجمهور. والقصاص على رأي من يرى أنها قتل عمد، وهي في كل الأحوال تعد من جرائم قتل النفس عند الله تعالى، لعموم النصوص الواردة في ذلك.
وأورد الشيخ السعدي تفصيلات من أقوال أئمة المذاهب والعلماء حول الصور التي يتسبب بها الشخص بوفاة نفس بريئة، ونقل فتاواهم حول كل صورة من أنواع القتل.
وفي ختام الفتوى توجه الشيخ الدكتور عبد الحكيم السعدي توجه بالنصح إلى أفراد الشرطة أن لا يقوموا بتنفيذ الأوامر الصادرة في المداهمات خصوصاً الليلية منها، لأن ذلك معصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن ذلك مُنافٍ لحقوق الإنسان التي حمتها المواثيق الدولية، وإلا فإنهم آثمون مستحقون لعقوبة القاتل شبه العمد، ولا عذر لهم عند الله تعالى.
وفيما يأتي نص الفتوى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فقد وردني السؤال الآتي: ما حكم الموت بسبب المداهمات التي تقوم بها الشرطة والقوات المسلحة؟
والجواب على ذلك أقول: منذ عام 2003 ( عام احتلال العراق ) كثرت مداهمات البيوت والمحلات العامة والخاصة من قبل المحتل ومن يعاونهم في ذلك الشرطة والجيش وبعض الميليشيات، ثم استمرت بعد ما سُمي – خروج المحتل – بنفس الوتيرة والعنف إلى يومنا هذا بحجة إلقاء القبض على المجرمين.
وقد تسبب ذلك في موت كثير من الآمنين الذين تتم مداهمتهم، إذ أصيبوا بالجلطة القلبية أو السكتة أو ما إلى ذاك. ولتحديد نوع هذا القتل بسبب المداهمة وبيان حكمه الشرعي أقول:
قَسّم جمهور الفقهاء القتل إلى:
1 ـ القتل العمد: وهو ما يتم باستعمال سلاح يقتل غالباً، كالمسدس والسكين وغيرهما، أو بما يجري مجرى السلاح، كحجر كبير أو خشبة كبيرة، بشكل متعمد.
2 ـ القتل شبه العمد: وهو القتل الذي يتم بتعمد باستعمال سلاح غير قاتل في أغلب الأحوال، كالعصا الصغيرة، أو بغير استعمال السلاح، أو ما جرى مجراه، كإغراق شخص أو خنقه حتى الموت عمداً. ( على خلاف بين الفقهاء في ذلك إذ عده بعضهم قتلاً عمداً ).
3 ـ القتل الخطأ: وهو ما يتم بدون قصد جنائي سواء أكان الخطأ في القصد، كأن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي، أم خطأ في الفعل، كأن يرمي صيدا فيخطئ فيصيب آدميا، أم خطأ في القصد والفعل معا، كأن يرمي آدميا يظنه صيدا فيخطئ فيصيب غيره من الناس.
والمدقق في الموت بسبب المداهمة يستطيع أن يقرر أن هذا الموت ( قتل من النوع الثاني وهو القتل شبه العمد )، لأنه:
1 ـ يعد قتلا بتعمد في الفعل وهو المداهمة والمباغتة عمداً.
2 ـ ولأنه يتم بالتسبب في القتل عمداً، والقتل بالتسبب يعد قتلاً عند كثير من الفقهاء.
3 ـ ولأنه غالباً ما تكون المداهمة ليلاً عندما يكون الناس في مأمنهم، مما يؤدي إلى الذعر والفزع لدى البيت المداهَم، فهي خارجة عن الأخلاقيات في حفظ الأمن وتتبع المجرمين لأنها إرهاب وتخويف وتَكَشُّفٌ على عورات الناس.
وبناءً على ما تقدم أرى:
1 ـ أن القيام بالمداهمات للبيوت الآمنة حرامٌ شرعاً، وجريمةٌ عرفاً، وانتهاكٌ لحقوق الإنسان.
2 ـ أن الاحتجاج بأن ذلك من أجل القبض على المجرمين حجةٌ واهيةٌ:
أ ـ لأن المطلوب إن كان لم يُعرض على القضاء بعد فإنه ما زال بريئاً حتى تثبت إدانته.
ب ـ وإن كان مداناً فإن القبض عليه يمكن أن يتم بطريقة لا تؤدي إلى مفسدة أعظم وهي التسبب في قتل الأبرياء، ولم يرد في السنة ولا في عمل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا التابعين من فعل ذلك.
3 ـ على فاعل المداهمات عقوبة القاتل ( شبه العمد )، على رأي من قال إنها شبه عمد، وهي الدية المغلظة والكفارة، وهو مذهب الجمهور. والقصاص على رأي من يرى أنها قتل عمد، وهي في كل الأحوال تعد من جرائم قتل النفس عند الله تعالى، لعموم النصوص الواردة في ذلك.
4 ـ وقد نص الفقهاء على أن:
أ ـ من ألقى على إنسان حيةً ولو كانت ميتة فمات فزعاً ورعباً، فهو قاتلٌ له عمداً، وإذا سَلَّ عليه سيفاً فمات فزعاً، فهو قاتلٌ له عمداً عند الإمام مالك.
ب ـ بينما يرى الإمام أحمد أنه من القتل شبه العمد، وألحَقَ بذلك مَن تَغَفَّلَ عاقلاً فصاح به فَخَرَّ ميتاً، وإن السلطان إذا بعث لامرأة ليحضرها إلى محل الحكم فأفزعها ذلك وأسقطت جنيناً ميتاً ضمنه، فإن ماتت المرأة من الإجهاض الذي ترتب على الفزع فالحادث قتل شبه عمد. وكذلك من استعدى السلطان على امرأة فأحضرت إلى محل الحكم ففزعت وألقت جنينها أو ماتت من الفزع كان القاتل لها هو المستعدي.
ت ـ ويتفق مذهب الإمام الشافعي مع ما ذهب إليه الإمام أحمد في أن ذلك كله من باب القتل شبه العمد.
وهكذا اتفقت كلمة فقهاء الأمة على أن القتل بإفزاع الآخرين وإرهابهم يعد جريمة قتل شبه عمد على رأي جمهور الفقهاء، وجريمة قتل متعمد على رأي بعضهم.
5 ـ لهذا أنصح أبناءنا وإخواننا في الشرطة أن لا يقوموا بتنفيذ الأوامر الصادرة في المداهمات خصوصاً الليلية منها، لأن ذلك معصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن ذلك مُنافٍ لحقوق الإنسان التي حمتها المواثيق الدولية، وإلا فإنهم آثمون مستحقون لعقوبة القاتل شبه العمد، ولا عذر لهم عند الله تعالى، وأضع بين أيديهم قول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال أبو القاسم (صلى الله عليه وسلم) : " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه".
فإذا كانت الإشارةُ بالسلاحِ المجردةُ عن أي قصد تتسبب في لعن الملائكة للمشير، فما بالك في الترويع والإرهاب المتعمد كما يحصل الآن؟.
والله ولي التوفيق
الشيخ الدكتور: عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي
24/ جمادي الآخرة / 1433هـ
الموافق السبت: 12/ 5 / 2012م
الهيئة نت
ن
فتوى الدكتور عبدالحكيم السعدي بتحريم مداهمات القوات الحكومية واعتبارها جريمة عرفاً وانتهاكاً للحقوق
