هيئة علماء المسلمين في العراق

\'إبادة التعليم\' مستمرة في العراق ...... هيفاء زنكنة*
\'إبادة التعليم\' مستمرة في العراق ...... هيفاء زنكنة* \'إبادة التعليم\' مستمرة في العراق ......  هيفاء زنكنة*

\'إبادة التعليم\' مستمرة في العراق ...... هيفاء زنكنة*

اعتقلت قوة عسكرية خاصة يوم 2 ايار/مايو عميد كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الدكتور محمد طاقة أثناء مغادرته الكلية متوجها إلى مسكنه عند الساعة الرابعة ظهرا، دون معرفة الأسباب. وإذا ما كانت التهمة التي ترمى على كل من يتجرأ وينتقد ممارسات حكومة المالكي هي الإرهاب فإن الأستاذ الجليل محمد طاقة، حاله حال بقية الأساتذة الذين تم ترويعهم أو استهدافهم منذ غزو الوطن، ليس إرهابيا أو قاعديا. إذ أن د. طاقة يحمل شهادة دكتوراه علوم اقتصادية من المدرسة العليا للاقتصاد- ألمانيا- 1980، وسبق له تسلم مهام رئيس قسم الاقتصاد- كلية الإدارة والاقتصاد- الجامعة المستنصرية لمرتين، ويتولى منصب عميد كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة منذ 1996 وحتى الآن. ونشر أكثر من 50 بحثاً علمياً وستة كتب في المجال الاقتصادي. وقد أثار اعتقاله غضب طلاب كلية بغداد للعلوم الاقتصادية فخرجوا في اليوم التالي لاعتقاله، في تظــاهرة مطالبين بإطلاق سراح الأكاديمي المعتقل وداعين إلى احترام الحرم الجامعي والكادر التعليمي وإبعاد الجامعات عن التسييس.

وإذا ما كانت تهمة الإرهاب جاهزة الصنع لتلصق بعموم المواطنين فماذا نسمي الحكومة الممعنة باعتقال المواطنين يميناً ويساراً وعلى الهوية بدلاً من حمايتهم وصيانة حقوقهم؟ فخلال الشهر المنصرم فقط، قامت القوات الحكومية بتنفيذ 157 حملة دهم وتفتيش عشوائية، في 14 محافظة، وأسفرت عن اعتقال 1327 مواطناً بريئاً ـ بينهم سبع نساء، كما تم توثيقها من قبل قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين، وهو واحد من جهات التوثيق العراقية القليلة، ذات المصداقية، المعنية برصد خروقات وانتهاكات حقوق الإنسان. مع العلم، أن هذه الأرقام 'اقتصرت على البيانات التي تصدرها وزارتا الداخلية والدفاع الحاليتين فقط؛ ولم تتضمن الاعتقالات التي تنفذها ما تسمى وزارة الأمن الوطني، والمكاتب التابعة لرئيس الحكومة الحالية، كما أنها لم تتضمن الاعتقالات العشوائية وغير المعلنة التي تقوم بها الميليشيات والأجهزة الأمنية الكردية بمسمياتها المختلفة في محافظات ديالى والتأميم وصلاح الدين ونينوى والسليمانية وأربيل ودهوك. كما لم تشمل الإحصائية، أيضا، الاعتقالات التي نفذتها الأجهزة الأمنية الحكومية خلال انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي طالت المئات من المواطنين ولا سيما الشباب الذين لم يطلق سراحهم حتى الآن '.

إن اعتقال د. محمد طاقة امتداد لحملة استهداف الأكاديميين والعلماء والمدرسين والأطباء المستمرة منذ غزو العراق والتي لم يشهد لها أي بلد محتل آخر، مثيلاً في منهجيتها وسعتها انتقالاً من التصفية الجسدية إلى الطائفية والفساد والتطهير الثقافي. وهو استهداف مباشر للتعليم وبكافة مستوياته. مما يعني، في الواقع، إعداد جيل جديد من أطفالنا وشبابنا مقولب ضمن العقلية الطائفية البغيضة والتقوقع الانعزالي القومي والديني مما يؤدي، كنتيجة حتمية، إلى تلاشي التنوع الثقافي والحضاري الذي طالما تميز به الشعب العراقي عبر تاريخه.

إن إبادة التعليم عبر انتقائية التعيينات حسب المحاصصات الطائفية والعرقية وانتفاء شرط الكفاءة وتسييس المناهج التربوية وتزوير الشهادات وانتفاء وجود مخطط تعليمي وطني هو خطوة مضمونة لتخريب العراق وتشظية كوطن يتسع لكل المواطنين. وللاطلاع على أمثلة مستلة من الواقع التعليمي المتدهور، على مدى أعوام الاحتلال، بالإمكان الرجوع إلى كتاب 'ما وراء إبادة التعليم في العراق'، الصادر أخيرا، عن جامعة "غنت" البلجيكية التي احتضنت الندوة العالمية حول وضع الأكاديميين العراقيين في شهر آذار/مارس من العام الماضي. حيث يخبرنا (هانز فون سبونيك)، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بالعراق ( 1998 2000)، إن جرائم قتل الأكاديميين والعلماء وغيرهم من المهنيين وتدمير البنية التحتية لقطاع التعليم أثناء الغزو وبعده يستدعى استخدام مصطلح جديد هو 'إبادة التعليم' والذي يتطلب العمل المثابر لإدخاله القاموس الدولي للجرائم، على أمل أن تتولى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية النظر في هذه الجريمة. ويشير الأستاذان (سامي الزمني، و كريستوفر باركر)، من جامعة "غنت"، إلى أنه ليس بالإمكان اعتبار تحطيم النظام التعليمي في العراق أحد الخسائر الجانبية للحرب كما أن جرائم اغتيال الأكاديميين ليست حوادث معزولة بل هي جزء لا يتجزأ من سياسة الإدارة الأمريكية في تنفيذ 'إنهاء الدولة' والذي أدى إلى عواقب إنسانية وثقافية لا يمكن أن يتصورها العقل، من بينها التهجير القسري الجماعي للجزء الأكبر من الطبقة الوسطى المتعلمة والتي حي بمثابة المحرك الرئيسي للتنمية والتقدم في الدول الحديثة. كما تم رسم خرائط جديدة للعراق ككل وللمدن العراقية، كل على حدة، استناداً إلى التقسيم والعزل الطائفي والعرقي والديني الذي كرسته حكومات الاحتلال المتعاقبة، كما يستمر تدمير البنية التحتية التعليمية في سياق استمرار العنف والفساد والإهمال الرسمي. حيث اعترفت وزارة الداخلية العراقية أن أكثر من 9000 من موظفي الدولة، بما فيهم عدد من الموظفين رفيعي المستوى في مكتب رئيس الوزراء اشترى شهادات جامعية مزورة.

ولا يزال اغتيال الأكاديميين، يجري في ظل تعتيم إعلامي عربي وعالمي شامل، مستمراً وقد سجلت محكمة بروكسل (وهي المشاركة في تنظيم مؤتمر غنت) اغتيال 449 أكاديميا في قاعدة البيانات التابعة لها. ولم يحدث، وهنا الطامة الكبرى، أن تم التحقيق في أي من جرائم الاغتيال أو إخضاع أحد للمساءلة القانونية.

وتشير كافة القوانين الدولية إلى مسؤولية الاحتلال أولاً وحكومات الاحتلال ثانياً عن توفير الحماية للمواطنين أيا كانت قوميتهم أو دينهم أو مذهبهم. لذلك، يكرر (هانز فون سبونيك)، وهو الضليع بقرارات الأمم المتحدة، قوله بوجوب 'محاسبة المسؤولين عن هذا الأمر الجلل، سواء داخل العراق أو خارجه. وعلى الحكومات والأعضاء في مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة عدم التنكر لمسؤولياتهم فيما لا يمكن إلاّ أن يسمى جريمة ضد جيل الشباب في العراق. وعلى مجلس الأمن الدولي حشد الإرادة اللازمة لتقييم الدور الذي لعبه في تدني التعليم إلى أدنى مستوى. ولاشك أن هذا الطلب سيغضب بعض الأوساط والدول ويثير مخاوفها. وهي مخاوف مبررة إذ سيتم تقديمها إلى العدالة عن الجرائم التي ارتكبتها. أن الوفيات والأمراض والفقر والدمار هي الشهود على تلك الجرائم'.

* كاتبة من العراق

أضف تعليق