هيئة علماء المسلمين في العراق

القيادات السياسية العراقية تختلق الأزمات استخفافا بالشعب.. د. عمر الكبيسي
القيادات السياسية العراقية تختلق الأزمات استخفافا بالشعب.. د. عمر الكبيسي القيادات السياسية العراقية تختلق الأزمات استخفافا بالشعب..  د. عمر الكبيسي

القيادات السياسية العراقية تختلق الأزمات استخفافا بالشعب.. د. عمر الكبيسي

ليس غريبا ان بلداً غنياً بثرواته ومهماً بموقعه وثقله وانتمائه كالعراق أن يكون محطة لأطماع الدول المستفحلة والقوية ولهذا تعرض العراق وعاصمته لحملات غزو واحتلال متكررة لعشرات المرات في تاريخه وفي كل مرة كان الغزاة يستهدفون أبناءه وعلماءه وثرواته ويتركونه بعد ان ينصبوا عليه المتعاونين معهم الطامعين في تحقيق المصالح الشخصية وتقاسم الغنائم لقاء تثبيت أقدام غزوهم وتنفيذ مقاصدهم. جاء احتلال الولايات المتحدة وحلفائها للعراق بدافع من هذه الأهداف على خلفية أعذار واهنة بلافتة تحريره في حين لم يكن على ارضه موطئ قدم لجندي واحد أجنبي من غير أهله ليصبح مشروع التحرير بعدئذ قرار احتلال مشرعن دوليا بعد أن تم تحطيم ركائز الدولة العتيدة التي أسهمت بتأسيس هيئة الأمم عام 1945! فاستبيحت وسرقت وحرقت المصارف والبنوك والمتاحف والمكتبات والوزارات (باستثناء وزارة النفط) وفتحت الحدود لكل من دب وهب ومن كل صوب وحل الجيش العتيد والمؤسسات الأمنية والإعلامية واجتث البعث المليوني الحاكم فكرا وشخوصا وتم الاستغناء عن الكوادر الإدارية وتعطلت الكهرباء ودمرت البنى التحتية اللازمة للحياة من صرف صحي ومياه الشرب والمجاري والطرق والشوارع وعطل الدستور واجتاحت الميليشيات وعصابات القتل والنهب مخازن الدولة ومعاملها ومراكز صيانتها واستهدف العلماء والمهنيين والأطباء وشاع القتل والخطف والتهجير في حين تم التأسيس لاستقطاب المناصب وتشكيل الحكومة والجيش الجديد البديل من العناصر المتعاونة وأحزاب المعارضة الوافدة على أسس طائفية وعرقية فعمت الفوضى وشاع الفساد والارتشاء والغدر والتصفيات الجسدية في كافة البلاد والعباد وأصبحت جرائم القتل والسرقة والفساد والتزوير سمة الحاكمين والمشاركين بالعملية السياسية وميزة الصراع بين المتسلطين وبالرغم من مرور تسع سنوات على الغزو لم يعد في نشرات الأخبار والصحف والفضائيات والمواقع من حديث غير الكلام عن العنف والإرهاب وسرقة النفط وتبييض الأموال وفساد العقود والشركات الوهمية وارتشاء المسؤولين وعدم نزاهتهم ولم يسلم وفقا لتقارير المفتشين وهيئات الرقابة والنزاهة ولجان البرلمان والمحاكم مسؤول أو وزير أو نائب من تلبس بفساد إلا ما ندر، والأنكى من ذلك ان يتم تراشق التهم بين الحاكمين وعلى ألسنتهم علانية بلا خجل في مسائل فساد خطيرة كتهريب النفط وكشف الأرصدة ودعم شبكات الإرهاب دون تحرك فاعل في غياب قضاء مستقل ونزيه!. كما تتفاقم قضايا الفساد والإرهاب والعنف بعد إعلان الولايات المتحدة انسحابها الرسمي لكامل قواتها العسكرية وانتهاء فعالياتها العسكرية في العراق (كما معلن)، فيما تتصاعد قضايا الفساد على مستويات دولية فتفوح روائح الارتشاء ودفع الرشى لاستقطاب حضور قادة ورؤساء لمؤتمر القمة العربي وتسريب النفط من مواقع متعددة لإيران ودول مجاورة بينما تتفاقم أزمة العيش والعنف والبطالة والفقر والمرض والتعليم والآفات الاجتماعية في حالة استنزاف شعبي واسع مع تصاعد حجم الصادرات النفطية وزيادة موارده المالية.
هذا الواقع يعكس بشكل واضح سمة أي احتلال او غزو في العالم ولا يختلف بكل جوانبه عن سمة حملات غزو المغول والفرس وغيرهم التي تعرض لها العراق من قبل ولا يختلف عنها إلا من حيث حبك خطط التنفيذ وأهداف المشروع الخبيث التي بدت واضحة اليوم حيث استطاع المحتلون ان يوكلوا مهمة تنفيذ ما تبقى من صفحات مشروعهم الى وكلاء وعرابين من بين جلدة المجتمع العراقي هم أشد بأسا وفسادا ووقاحة من قوات الاحتلال وأكثر ولاءً وتشبثا بقوى إقليمية فاعلة تؤسس لسياسات بديلة لها أهدافها الثأرية والتاريخية لإضعاف العراق وتقسيمه والهيمنة على ثرواته وتتوافق بالمقاصد والأهداف مع أهداف الغزو الأمريكي المنسحب ولا تثير تحفظاته أو تحرك مسؤولياته والتزاماته كدولة احتلال أمام المجتمع الدولي بعد أن تحقق لها ما أرادت من هيمنة على النفط والموارد وتحقيق المزيد من الهيمنة الصهيونية والأمن الاسرائيلي وترسيخ مشاريع التقسيم في كيانات المنطقة والتحكم بأنظمتها الحاكمة.
قد تصبر الشعوب وتتحمل مرارة الاستنزاف والمعاناة وتحتسب ذلك ضريبة لكارثة الاحتلال لتبقى هذه المعاناة محفزا ودافعا للخلاص وانجاز التحرير الشامل، لكن الأخطر مرارة وتعقيدا وتأثيرا هو ظاهرة الاستخفاف واللامبالاة التي يتعامل بها رهط الساسة العراقيين الحاكمين مع قيم ومنظومة أخلاق الشعب العراقي من خلال اختلاق الأزمات السياسية واعتبار ظاهرة الصراع على السلطة والتراشق بين الشخوص والكتل السياسية فيما بينها هو صلب الأزمة من خلال الإعلام المزيف المكثف والتصريحات الحارقة واللاهبة للطائفية والعرقية المقيتة والتكثيف من حجم إعلام التقسيم والتناحر وإثارة الأحقاد.
الأزمات التي يثيرها الساسة الحاكمون في العراق من خلال تصريحاتهم المكثفة النارية وسلوكياتهم المتناقضة وتبعيتهم لأجندات أجنبية وقضايا تشبثهم بالعقود والفساد بلا خجل أصبحت تشكل مزرفاً خارقاً في عمق ذاكرة وعقلية العراقيين وتنعكس بشكل سلبي على سلوكيتهم وحياتهم اليومية ليزدادوا فوق هموم حياتهم المعاشية والأمنية ضنكا ويأسا وقنوطا، وفي ظل غياب النخب والقدوات وتسلط الفاسدين بمصير العامة وتشبثهم بالطائفية والعرقية وتسييس القضاء والجيش البديل وفقدان الأمل بالتغيير، تبدو ظاهرة استخفاف الساسة بعموم الشعب واختلاق الأزمات وكأنها سلوكية ثابتة لإلغاء الشعب وتسويف قضاياه وتهميش دوره ومسح همومه من خلال صراع مختلق بين أقطاب شركة العملية السياسية الذين لم يهتموا إلا بترتيب شؤونهم ومصالحهم وعقودهم وفسادهم الذي غرقوا فيه حتى هاماتهم. حقيقة الأمر هي إن أزمة العراق ليست أزمة صعاليك السياسة أو صراع الفاسدين على المال والمناصب فهذا الغسيل الوسخ هو نتاج للأزمة الحقيقية المتمثلة بتخبط مشروع احتلال العراق وما أسفر عنه من نتائج وخيمة في المنطقة والأنظمة المحيطة به والتي لم تكن في الحسبان، ناهيك عن الفشل الذريع لسياسات الإدارة الامريكية المتعاقبة وخيبة حملاتها العسكرية وحروبها التوسعية في العراق وأفغانستان والصومال وما أسفرت عنه من أزمات اقتصادية وسياسية داخل الولايات المتحدة والتي أدت الى انسحاب القوات العسكرية من العراق والعهدة الى إدارة ملفاته بالنيابة الى قوى إقليمية لها تأثيرها المباشر على الأحزاب وأقطاب الساسة الحاكمين وعلى طريقة تبادل المصالح وتقاسم الغنائم.
مستقبل العراق المحتل اليوم لم يعد مرهونا برؤية الإدارة الأمريكية فحسب، إيران وأحزابها الحاكمة وتركيا وطموحاتها والأنظمة الحاكمة في الخليج ومحاولات صمودها وبقائها وتفاعلات ما يحدث من حراكات وانتفاضات في سوريا ومصر وليبيا تلعب أدوارها، فيما ترقب إسرائيل وكيانها الصهيوني الأحداث بدقة لتسخير ما يحدث لصالح أمنها الداخلي وتقسيم المنطقة الى دويلات طوائف ومكونات كضمانة لبقاء دائم وأمن مستتب.
كل القيادات والكتل السياسية الحاكمة والمشاركة بالعملية السياسية القائمة مسلوبة الإرادة مخترقة ومرهونة بمواقفها لأجندات دول وقوى تخدم مشروع الاحتلال ومطلوب منها اختلاق الأزمات والصراعات لتطفو على السطح وكأنها أزمات حقيقية لا يمكن حلها إلا بالتقسيم والأقلمة او الإقتتال الطائفي والعنف وإشاعة الفوضى (الخلاقة !). وحين تكون إرادة الشعب رهينة لفعاليات الجيش وقوى الأمن والميليشيات السياسية المستفردة بالسلطة، لا يمكن أن تكون مواقف ومبادرات القيادات السياسية كالمالكي وعلاوي والحكيم والصدر والبرزاني وغيرهم جزء من حل لهذه الأزمات المختلقة بل هم جميعا فاعلون وناشطون في خلقها وابتداعها كي تصبح حلول الأزمة مرهونة بمقدار ما يحصلون عليه من مكاسب ومنافع كل حسب حجم دوره وأدائه.
الحل الحقيقي لضمان مستقبل العراق ككيان دولي موحد بهويته الحقيقية واستعادة سيادته على أرضه وثرواته وعودة مهجريه وكفاءاته لن يكون من خلال التأسيس لمنظومة وعي إسلامي كما يدعي المالكي وتبشر به الأحزاب الدينية الطائفية الحاكمة التي نال الشعب بسبب إسفافها الويلات والنكبات، ولن يتحقق من خلال انتخابات لدورة قادمة تشرف عليها وعلى تشكيل هيئاتها أقطاب حكومة وبرلمان فاشل لتجير لصالحهم ثالثة، ولن يتحقق من خلال استبدال الشخوص والقيادات الحالية بمن هم أسوأ سلوكا وكفاءة، لم يستطع البرلمان تعديل الدستور أو كشف وإدانة ملف الفساد أو مراقبة التهميش الطائفي واجتثاث التفرد بالسلطة، ولم تستطع الحكومة ان تستقطب وزراء أكفاء ومهنيين بسبب صراع الكتل ناهيك عن نقصها بعد مرور عامين من مقاعد الوزارات الأمنية ووزارة الدفاع وبقيت مسؤولياتها تدار من قبل رئيس الحكومة وحده ولم تستطع الرئاسات التوافق على حل أزمة الصراع واتضح زيف معاهدة أربيل وإضحوكة مجلس الرئاسات وعجز الرئاسات عن تحقيق اجتماع الكتل السياسية المزعوم انه سيضع حل للأزمة الحالية، وفي الوقت الذي تتكثف فيها تصريحات القيادات السياسية عن فشل وانهيار العملية السياسية القائمة لم نشهد أو نسمع عن استقالة أو انسحاب رئيس أو وزير أو نائب من هذه العملية الفاشلة بل على النقيض من ذلك يتم التشبث ببقاء رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء بمناصبهم وكأنهم مصونون غير مسؤولين عن الواقع المرير وعدم إحداث التغيير، وليس هناك من مبرر للتشبث ببقاء هذه الشخوص بمناصبها سوى الدافع الطائفي والعرقيالواهم.
الحل الحقيقي لخلاص العراق من واقعه المرير يكمن في تمكين ارادة وطنية جامعة وقوى شعبية مناهضة ومقاومة واعية ومنظمة وواسعة تجتث العمالة والتبعية والطائفية والمحاصصة وتسقط المؤسسة الحاكمة بكل عناصرها السيئة ونتاجاتها المقيتة لتؤسس لدولة مدنية عصرية يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات دون تمييز تتمسك بالحرية والديمقراطية والسيادة الكاملة لتحقيق التنمية والإعمار مرورا الى النهضة والعيش بسلام.
قد تحول حالة الانقسام الحالي في المجتمع العراقي وتفشي العنف والإرهاب وتسييس الجيش والقضاء دون استحضار حالة الوعي والإجماع كما يفترض، لكن المبالغة في استخفاف السلطة بالشعب وبواقعه لا يمكن أن يمر دون حساب أو عقاب علما بأن التاريخ لا يرحم والحقوق لن تضيع والظلم لن يستمر وسمة السلطة القائمة لا يمكن أن تتسم بالبقاء أو الصمود.

أضف تعليق