هيئة علماء المسلمين في العراق

قمة على رأس هرم الانحدار.. صبحي غندور
قمة على رأس هرم الانحدار.. صبحي غندور قمة على رأس هرم الانحدار.. صبحي غندور

قمة على رأس هرم الانحدار.. صبحي غندور

بين قمة الخرطوم عام 1967 وقمة الخرطوم الآن، حدثت متغيرات كبيرة على المستويين العربي والدولي لكن الأبرز في واقع الحال العربي بعد أربعة عقود هو الانحدار نحو مزيد من الصراعات والانقسامات، ليس فقط بين الدول والحكومات، بل بين أبناء الشعب الواحد في أكثر من بلد عربي. المؤسف في واقع الحال العربي، أنَّه رغم الاشتراك في التحدّيات والهموم، فإنَّ الحكومات العربية تتعامل مع هذه المسائل من منظورٍ فئويٍّ خاصّ وليس في إطار رؤيةٍ عربيةٍ مشتركة تصون الحقَّ وتردع العدوان وتحقِّق المصالح العربية.

في السياق التاريخي المعاصر للأمَّة العربية، نجد أنَّ ما حدث عربياً في قمة الخرطوم بعد حرب 1967 كان نموذجاً صالحاً للتكرار في أكثر من حقبةٍ زمنيةٍ معاصرة، وخاصَّةً الآن.

فالعرب عام 1967 كانوا في أقصى حالات الصراعات العربية ـ العربية، وكانت بينهم حروب عسكرية داخلية "حرب اليمن وتفاعلاتها المصرية ـ السعودية"، وصراعات بين أكثر من حاكمٍ عربي إضافةً إلى انقسامٍ سياسيٍّ حادّ على طبيعة الأنظمة ومناهج الحكم "طروحات الاشتراكية والثورة والوحدة.. الخ"، وفي ظلِّ مناخٍ دوليٍّ حادّ الاستقطاب كانت تقود فيه أميركا حرباً، باردةً شكلاً وساخنةً ضمناً، ضدَّ المعسكر الآخر وكلّ من يتعامل معه من دول العالم الثالث ...

وعلى الرغم من هذه الظروف كلّها، نجحت قمَّة الخرطوم عام 1967 في تجاوز كلِّ العقبات ووضعت رؤيةً عربيةً مشتركة لكيفية التعامل مع تحدّيات المرحلة آنذاك ولما هو مطلوبٌ عربياً من غاياتٍ مرحلية. أيضاً، نجحت قمَّة الخرطوم في بناء تضامنٍ عربيٍّ مشترك أنهى الصراعات العربية ـ العربية ووضع كلَّ الطاقات العربية في خدمة المعركة ضدَّ العدوِّ الإسرائيلي.

وتزامن مع قمَّة الخرطوم سعي عربي مشترك للجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية وبين بناء الاستعدادات العسكرية لإعادة تحرير الأراضي المحتلة عام 1967، فكانت حرب الاستنزاف البطولية على الجبهة المصرية متزامنة مع قبول قرارات مجلس الأمن الدولي والمبادرات الدولية التي طُرِحت آنذاك. وكانت هذه الحقبة "67-1970" هي التي مهَّدت لحرب تشرين ـ أكتوبر عام 1973 التي جمعت بين استخدام الطاقات العسكرية والاقتصادية معاً.

أمَّا اليوم فالمشكلة في الجسم العربي نفسه إذ ليس هناك الآن صراعات في المنطقة على طبيعة الأنظمة ومناهج التغيير.. فكلّ البلاد العربية محكومة الآن بأنظمة متشابهة سياسياً واقتصادياً حتى لو كانت تحمل شعاراتٍ أو أسماء متباينة.

وليس هناك في العالم اليوم حالة من الاستقطاب الدولي لكي تفرز الحكومات العربية بين صديقٍ وعدوّ لهذه الدولة الكبرى أو تلك، فكلّ الحكومات العربية تنشد ودّ أميركا ورضاها!!.

إذن، فالمشكلة عربياً هي انعدام القرار العربي في وضع رؤيةٍ عربية مشتركة، وفي عدم تحمّل مسؤوليات الدور القيادي المنشود لأكثر من طرفٍ عربي، وكأنَّ النظام الإقليمي العربي مرتاح لهذا الواقع العجوز طالما أنَّه يحافظ على استمرار النظام والمصالح الخاصَّة الموروثة فيه!.

كان العرب بعد حرب عام 1967 يحملون "البندقية في يد وغصن الزيتون في اليد الأخرى"، اليوم أيادي الوضع الرسمي العربي تحمل كلّها "أغصان الزيتون"، ولا تحمل معها أيَّ شيءٍ آخر يردع أيّ عدوان أو يصون الحقوق!!.

وستبقى التحدّيات على العرب قائمة بل ومتراكمة طالما أنَّ منهاج التعامل معها لا يخرج عن صفقاتٍ فئوية تحدث في السرِّ والعلن، فتُحقِّق منافع خاصَّة لكن لا تؤدّي إلى معالجة الأمراض العامَّة في المنطقة والتي تتحوَّل إلى أوبئةٍ تصيب أيضاً من عقدوا الصفقات واعتقدوا أنَّهم قد حقَّقوا الأمن الخاص من خلال "السلام المنفرد"!.

على الجانب الأميركي، هناك رؤيةً أميركيةً واحدة لمشاكل المنطقة العربية كلّها، وهناك أيضاً مشاريع حلولٍ أميركية لهذه المشاكل، وهي لا تنسجم مع آمال وطموحات شعوب المنطقة العربية. وانعدام الرؤية العربية المشتركة يقوم على حالةٍ من الصراعات العربية - العربية وتجزئة الإمكانات والطاقات العربية، بينما الرؤية الأميركية الواحدة للمنطقة تقوم على إمكانات وطاقات أكبر قوةٍ عسكرية واقتصادية في العالم المعاصر. وهذا التباين في واقع الحالين العربي والأميركي، يجعل من "رغبات" واشنطن في المنطقة العربية أشبه ما تكون بأوامر سياسية يتوجَّب تنفيذها وإلا فإنَّ الضغوطات العسكرية والاقتصادية تفرض تنفيذ هذه "الرغبات"!.

إن تداعيات التحدّيات الراهنة التي تواجه الأمةَّ العربية ستجعل الوضع العربي - بواقعه العجوز والعاجز - مهموماً بأكثر من قضية، في ظلِّ أكثر من رؤية وقيادة، لشوارع عربية محكوم على شبابها الآن عدم مشاركتهم عملياً في صنع مستقبلهم!

العرب أونلاين

أضف تعليق