نشرت جريدة العرب بالأمس تقريرا في صفحتها الأولى لخبير أمريكي في الطب النفسي الجنائي يخلص فيه الى أن إدارة المحافظين الجدد تخسر ما أسماه بحرب الأفكار مع التيارات السلفية العربية؛ لأنها تدعم الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة. وذهب التقرير الى ما هو أبعد بتأكيده على أن الذين تستقطبهم هذه التيارات ليسوا معقّدين ولا هاربين من الحياة، إنهم جزء مهم من الطبقة الوسطى، أي يعيشون حالة من التوازن والاستقرار.
وقيمة هذا التقرير هي أنه أبان عن حقيقة المعركة مع الارهاب، فليست هي معركة دينية بحتة تتوسل بخطاب القرون القديمة لتطل على العالم، ولا هي معركة ضد أشباح الشر الخارجة من قمقم الشرق، إنها معركة سياسية بين قطبين، قطب يريد السيطرة على العالم ويستجمع لتحقيق ذلك كل الوسائل بما فيها الاحتلال والتدمير ودعم الأنظمة الديكتاتورية، وقطب ثان ينهض في مواجهة الفعل المقابل باعتماد خطاب تهييجي يشرّع كل الأساليب في المعركة بما في ذلك القتل الجماعي والاستهداف المنظم للمدنيين.
وقد قال التقرير إن المعركة لا يمكن أن تنتهي بالانتصار على الارهاب إلا إذا غيّرت ادارة البيت الأبيض رؤيتها الى الديمقراطية وركّزت على تحقيق العدالة والمساواة والتنمية الاقتصادية لشعوب تعيش واقعا مأزوما.
والسؤال الذى يطرح في ذات السياق، أين هي الحملة الأمريكية الواسعة الداعية الى الاصلاح فى العالم العربى الاسلامي؟ لماذا توقفت مع احتلال العراق وخفتت أصوات المسؤولين الأمريكيين الذين قالوا بالصوت العالي للكثير من الأنظمة إنها فاسدة وديكتاتورية؟
والاجابة على هذا السؤال تقول إن الحملة الاعلامية لفائدة الاصلاح والديمقراطية في المنطقة العربية وسيل المنتديات والمؤتمرات كانت فرشا سياسيا واعلاميا لاحتلال العراق، لا أكثر، بل إنها مثلت صدمة لكثير من دعاة الاصلاح العرب الذين شعروا أن الادارة الأمريكية ضحكت على ذقونهم وجرتهم الى تزيين سلوكها، مع أنها كانت ترفع شعارات كاذبة وضغوطا وهمية ضد الأنظمة.
ويتجلى هذا أيضا من خلال محرار القمم العربية الثلاث الماضية، فقمة تونس جعلت مطلب الاصلاح مطلبا محوريا وفرضت فيه قضايا حساسة للدرس والنقاش مثل حال المرأة العربية واصلاح المناهج الدراسية والتعليمية، لكن قمة الجزائر اختزلته في نقاشات جزئية عن البنود والأولوية، وجاءت قمة الخرطوم لتغيّب الاصلاح تماما، إلا من صياغة طوباوية تحتمل كل تأويل تضمنتها ديباجة البيان الختامي الممهور بإعلان الخرطوم، وعاد الزعماء الى معارك الحيص بيص والسباق نحو الكاريزما.
وهذا التدرج في التهميش لمطالب الاصلاح يدل على أن مؤسسة القمة العربية فهمت أن الضغوط الأمريكية ليست مبدئية ولا يهمها التغيير الفاعل في المنطقة ولا المجتمع المدني ولا حقوق الانسان ولا الحريات ولا التوريث ولا الديكتاتورية.. ما يهمها هو تمتين ارتباط المنطقة بالقبضة الأمريكية وقبولها برؤيتها للقضايا وسبل حلّها، وهذا تجلى خاصة في قبول القمة العربية ـ أو لنقل نصف القمة بعد غياب تسع زعامات ـ بمبدأ دخول القوات الأممية الى دارفور، وكذلك تهميش دور حماس، وأيضا الاعتراف بمجريات العملية السياسية في العراق الواقع تحت الاحتلال وإقرار التمثيل الديبلوماسي على مستوى السفراء.
إن انحياز الأمريكيين ضد الاصلاح في المنطقة العربية، لن يسمح لهم ـ على الرغم من القوة والاتفاقات الأمنية الخانقة ـ بالانتصار على الارهاب، بل إنهم يعطونه المسوغات كي يتشظى ويتوالد ويزيد في غلوه ويقف في وجوههم ووجوه الأنظمة التي يراهنون عليها..
ثمة طريق أخرى يمكن أن تقود الى النصر على الارهاب وعلى التقاطب الديني وعلى قيم الخرافة والنفي، إنها معركة الاصلاح الطويلة التي تعيد الاعتبار للمواطن العربي وتحرره من الخوف والريبة وتنزع من ذهنه قناعة أن أمريكا تقف وراء مأساته الشخصية والعامة.
فهل تقدر أمريكا على دخولها وتتنازل عن كبريائها الواهم بالعظمة؟!
مختار الدبابي
العرب أونلاين
قبضة بوش عاجزة أمام الإرهاب!
