إختار القاص العراقي المبدع ناشد سمير الباشا عنوان (تُجار الفحمْ) لمجموعته القصصية التي ضمت مئة قصة وقصة لفضح الاحتلال الأميركي للعراق,
وممارساته البشعة بحق العراق والعراقيين، راسما صورا لبطولة المقاومين في العراق، الذين تصدوا للاحتلال وتمكنوا من هزيمته في نهاية المطاف،مستخدما لغه قصصية متميزة وومضات سريعة معبرة.
إن دلالات عنوان المجموعة القصصية واضحة, ولكن أراد الباشا إشهار المعنى الدقيق لـ(تجار الفحم), عندما استشهد بمقولة الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق، الذي قال كلمة معبرة بهذا الخصوص, يقول الحق (الذي يتعاون مع أميركا يكون في نهاية المطاف مثل تجار الفحم مسود الوجه واليدين). ومرة قرأت عبارة تقول إن عملاء أميركا مثل (كيس الفحم) من أي مكان تلمسه تتسخ يداك.
هذه القصص (المئة قصة وقصة) كتبها الباشا خلال ثلاثة أعوام (2009,2008,2007 ), حسب ما أشار الى ذلك في مقدمة الكتاب، ولا أعرف لماذا تم تحديد الفترة الزمنية بهذه السنوات الثلاث، فالاحتلال الأمريكي بدأ منذ عام 2003 و تواصل حتى هزيمته أواخر عام 2011 , وأن عدوان المحتلين على العراق لم يتوقف ساعة واحدة, فالانتهاكات تواصلت في الصباح والمساء وخلال الظهيرة وفي منتصف الليل, ودنس الغزاة تجده مبثوثا في الطرقات وعلى ضفاف دجلة والفرات وفي أزقة بغداد ومدن وقرى العراق الأخرى، وأن المقاومين العراقيين لم يتوقفوا, ولم تسكت صواريخهم وقنابلهم التي تستهدف المحتلين, وربما أراد القاص الإشارة إلى الفترة الزمنية، التي أنجز خلالها هذه القصص للتأكيد الزماني فقط, ولاعلاقة لوجود الاحتلال واستمرار المقاومة, وهذا ما أُرجحه من خلال قراءتي لقصص مجموعة (تجار الفحم).
اختار الكاتب قصة معبرة في بداية مجموعته ووضع لها عنوان (المترجمة), ولأنها تعاونت مع الغزاة، فإنها دلفت في كيس الفحم, ويقول (كانت غبية,غبية حقاً لأنها اعتقدت أن المكان أصبح خالياً من الرجال) والمقصود في المكان هو (العراق). وينهي قصته بعبارة (ذات يوم سجل في أحداثه, أن مترجمة تعمل مع المحتلين وجدت مقتولة على قارعة الطريق، وخط على جبينها بدمها الأحمر القاني (غسلاً للعار).
في تقديمه لهذه القصة أراد القاص القول إن العراقيين رفضوا في وقت مبكر الذين يقدمون خدماتهم للغزاة، وفي عرضه لسلوكياتها وعلاقاتها مع الجنود الأميركيين، فإنه قد وضعها (أي المترجمة) في منطقة الرفض الشعبي العراقي،حيث لاقت مصيرها المحتوم، وهو ذات المصير الذي يلقاه العملاء والجواسيس لأي احتلال في العالم.
قصص أخرى توثق لبعض ممارسات المحتل الأميركي ومن بينها قصة العراقي الذي اعتقد أنه أصبح صديق القائد الاميركي في مدينته, وما أن شاهده داخل إحدى العربات المدرعة حتى تباهى بصداقته وقاد سيارته بسرعه ليكون قرب القائد الذي كان يسير ضمن رتل للقوات المحتلة, فسارع أحد الجنود الامييركين لإطلاق وابل من الرصاص ليقتله في الحال, لأن جميع العراقين في نظر الأميركيين (إرهابيين)، وبهذه الومضة القصصية المعبرة أراد القاص الباشا، القول إن المتعاونين مع الغزاة لن يرقوا الى درجة أكثر من عميل، وأن الأميركيين ينظرون إليهم من هذه الزاوية،وفي الواقع فإن القاص أراد الدخول في أعماق تلك الشخصية التي تعاملت بسطحية مع الواقع الذي فرضه الاحتلال فأقتربت من جحيمهم .ويرسم القاص الباشا صورة رائعة للقناص العراقي المقاوم، الذي يواصل قتل الغزاة ويوثق أعدادهم على سبورة خصصها لكتابة مئات القتلى من الغزاة الذين أصابتهم رصاصاته في مقتل.
قصص أُخرى يرصد فيها تداعيات الأوضاع في بلد محتل،الفوضى والدماء التي تسيل في كل مكان والخراب الذي يعم العراق، وحتى الأفكار أصبحت قلقة ومشوشة،لأنه الاحتلال،ففي قصة يختار لها عنوان (الاحتلال) ينقل أصواتا قلقة ومبعثرة، بعضها يعي ما يقول، والبعض الآخر وقع تحت سياط الموجة، فهناك من يسمي القوات الأميركية بالصديقة أو متعددة الجنسيات وقوات التحالف وغيرها من التسميات، إلا أن القاص يختصر كل ذلك في عنوان القصة ،ليقول للجميع إن هذه التسميات ليست سوى مفردات لقوات تحتل العراق.
في قصص (تجار الفحم) تجد صورا للغزاة بكل بشاعتها، وصورا أخرى للمقاومين بكل بهائها.
تُجار الفحمْ... وليد الزبيدي
