ربما لا يعرف الكثيرون عدد المرات التي وطأ الغزاة مدينة بغداد، بعد انهيار الدولة العباسية، ووقوع بغداد فريسة لقوى وإمبراطوريات تصارعت على بغداد بهدف اخضاعها والهيمنة عليها، بكل ما فيها من إرث حضاري وتاريخ،
وغالبا إن لم يكن هدف جميع تلك الغزوات والاحتلالات هو تدمير هذا الكنز الحضاري والنيل من بغداد التي قادت عملية التلاقي الحضاري والانفتاح على الحضارات والثقافات فكان فيها بيت الحكمة ومدارس العلم، ويكفي أن مدرستي اللغة العربية كانت في العراق، هما مدرسة البصرة والكوفة.
وأسرد أهم تلك الغزوات والاحتلالات التي تعرضت لها مدينة بغداد (دار السلام)، ومن خلالها يجد المرء حجم الدروس والعبر التي يتعلم منها أبناء العراق،وكيف أثر كل ذلك في إعادة صياغة القناعات، وساهم بقوة في تبديد الخوف المحمول بثقل هائل على أجنحة القاصفات وطائرات الشبح والأقمار الاصطناعية والفضائيات، وكل من روج وطبل وحذر من التفكير ولو مرة واحدة ولثانية واحدة بالاعتراض على حقبة ما بعد الغزو الاميركي، فكان امام العراقيين هذا الواقع المفروض يوم العاشر من ابريل عام 2003، وذاك التاريخ الزاخر بالغزوات والقتل والتدمير والتخريب الذي هدف القائمون عليه الى تقويض هوية العراق وتمزيقه وتركه لقمة سائغة بين أسنان الغزاة قبل أن يسجل استسلامه نهائيا وقبوله بالرضوخ والخنوع.
بدأت احتلالات بغداد بواحدة من أبشع الغزوات، ومعروف ما فعله المغول في بغداد عندما اجتاحت قواتهم البربرية هذه المدينة عام 1258 للميلاد، وعاثت فسادا وقتلا وتدميرا، لدرجة أن قوات الغزو المغولي اضطرت للمكوث خارج بغداد، بعد انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة لكثرة الجثث المتعفنة التي غصت بها المدينة، ولم يحرص الغزاة على التخلص من جثث القتلى،لانهم يدركون أن هؤلاء انتهوا ولا عودة لهم، لكن حرص الغزاة على حمل آلاف الأطنان من الكتب والمخطوطات من وسط وأطراف مدينة بغداد ورموها في نهر دجلة، ويقول المؤرخون إن الألوية كانت لرمي مصادر الثقافة والمعرفة، وبعد ذلك جاء دور جثث بعض الضحايا، فارتسمت لوحات متموجة امتزجت فيها دماء العراقيين بحبر الكتب والمخطوطات في مياه نهر دجلة الذي يقسم جغرافية مدينة بغداد الى الكرخ والرصافة.
في عام 1393 احتلت قوات تيمورلنك بغداد، وبعد صراعات ونزاعات وحروب، سيطر ثانية السلطان احمد على بغداد، وبعد عقد من الزمان زحفت صوب بغداد قوات قره يوسف الذي أسس دولة (الخروف الأسود التركمانية).
في عام 1434 سقطت بغداد بيد القائد اسبان وهو ابن قره يوسف وقد تمكن من انتزاع بغداد من اخيه القائد محمد شاه، وفي عام 1445 م، تمكن حاكم دولة (الخروف الاسود) جهان شاه من السيطرة ثانية على بغداد واحتلالها، وفي تلك الحقبة أصبح الصراع على حكم بغداد عائليا، ففي عام 1466 م، عاد السلطان جهان شاه الى بغداد زاحفا صوبها بجيش جرار، وكان هدفه هذه المرة ليس محاربة قوة معادية ومن امبراطورية اخرى، وإنما ولده بيربوداق وبعد معارك بين قوات الابن والاب تمكن الأخير من احتلال بغداد، واعدم ولده، وبعد تلك الحقبة جاءت دولة (الخروف الابيض) بقيادة مقصود بن حسن الطويل.
عام 1508 م دخلت جيوش الشاه اسماعيل الصفوي بغداد، لتبدأ حقبة الصراع العثماني الفارسي على بغداد بصورة خاصة والعراق عموما،وفي عام 1530 م دخل طهماسب بغداد،وفي عام 1534 م دخل بغداد السلطان العثماني سليمان.
هذه الاحتلالات المدمرة ذكرت بعض جوانبها وصفحاتها كتب التاريخ التي اتفقت في مجموعها على بشاعتها، وانها لم تقدم الى بغداد والعراق إلا الإذلال والتخريب والقتل والاهانة، أما الغزو البريطاني فمازالت بشاعاته حاضرة حية في أذهان العراقيين،وهناك من يروي تفاصيله او يروى عن شهود عيان عايشوا الغزو وسمعوا أو شاركوا في التصدي اليه.
الكثير من صفحات تلك الاحتلالات كانت حاضرة في أذهان العراقيين، وإن لم يكن هذا الحضور في اذهان الكثيرين، فقد احتل مساحة مهمة في عقول الذين وجدوا انفسهم أمام مسؤولية التصدي للواقع المفروض عليهم بعد التاسع من ابريل عام 2003، بكل ما يحمل من قساوة وصعوبة وغياب هائل لأي أمل وسط أمواج القوة الغازية والأخطر منها الترويج لها بهدف التثبيط .
والسؤال هنا،هل أفاد العقلاء من دروس الغزوات والاحتلالات،ونحن لا نتحدث عن ذلك في مقدمات الاحتلال الاميركي وايامه الاولى في شهر ابريل عام 2003، بل نقرأ نتائج الغزو وهزيمته امام أبناء العراق أواخر عام 2011م.
بغداد واثنا عشر احتلالا.. وليد الزبيدي
