في مبادرة لا تليق الا بما يسمي بالعراق الديمقراطي الجديد وباستهانة المحتل ومستخدميه المحليين بحقوق الانسان وكرامة المواطن العراقي، أصدرت وزارة الدفاع تحذيرا يبدو في ظاهره حرصا علي سلامة المواطن وأمنه بينما لايتعدي ان يكون في جوهره،
مثل كل الانجازات المعلنة تحت الاحتلال، نموذجا آخر للتضليل المستهدف سلامة المواطن. اذ حذرت وزارة الدفاع المواطنين من الانصياع الي اوامر قوات الجيش او الشرطة اثناء عمليات الدهم، بعد سريان فترة منع التجول في بغداد، اذا لم تكن ترافقها قوات من متعددة الجنسية او تكون قوات مشتركة من الجيش والشرطة. وقال محمد العسكري مستشار وزارة الدفاع: علي المواطن ان يعلم ان اي عملية دهم تقوم اثناء ساعات منع التجول هي عملية غير شرعية لا تقوم بها قوات الجيش لان هذه القوات لا تدهم اي مكان الا بصحبة قوات متعددة الجنسية بعد ان يتم التنسيق بينهما واضاف ومن يخالف يعد منتهكا للقانون ويعرض نفسه للمساءلة القضائية .
ما الذي يفهم من قراءة التحذير اعلاه؟ الواضح تماما من التحذير هو ان وزير الدفاع ومستشاره لايعيشان في بغداد بل في قارة اخري تدعي المنطقة الخضراء حيث يتمتعان بالحماية في ظل السفارتين الامريكية والبريطانية. لانهما يتصوران، بان المواطن العراقي مثل مواطني دول الاحتلال الانكلو ـ امريكي يتمتع بحرية ان يفتح باب بيته او يوصده في وجه من يرغب بتفتيش بيته، ولن اقول كما جاء في التحذير مداهمة بيته. وان قوات المداهمة ستدق علي الباب وتقف بأدب جم منتظرة ان يفتح لها اهل الدار الباب، ومن ثم تتم دعوتهم لاكمال مهمة المداهمة.
وأن المواطن يتمتع بحق رفض طلب المداهمة، ليلا. وانه يستطيع فرض مواصفاته الخاصة لنوعية المداهمة. وحين يقرر بان الوقت غير ملائم له ولعائلته يطالب القوات بالعودة في وقت آخر، نهارا مثلا، او بتاريخ آخر. وهذا كله مبني طبعا علي افتراض الوزير ومستشاره بان الشوارع آمنة وانها غير مسيطر عليها من قبل الميليشيات علي اختلاف طوائفها وقومياتها ونزعاتها الاجرامية.
وان المواطن حر وآمن الي حد يستطيع فيه معرفة هوية من يداهمه خاصة اثناء ساعات الليل المرعبة والحالكة الظلمة اثناء ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة. وان قوات المداهمة مكشوفة الوجوه وتحمل هويات تبين الي اي جهة ينتمي افرادها، ومواقع فرقها، واين يمكن الاتصال بالمسؤولين في حالة مخالفتهم السلوك. وان قوات المداهمة المدربة علي السلوك الحضاري جدا من قبل السادة قوات الاحتلال، وليس علي كسر الابواب والقصف وتفجير البيوت بساكنيها، تقوم بتسليم المواطن استمارتين. حيث يوقع رب البيت علي الاولي قبل المداهمة ليمنحهم الاذن بالمداهمة. ويوقع علي الثانية بعد المداهمة كشهادة حسن سلوك لهم باعتبارهم قد نفذوا المداهمة بكل رقة ولطف، وفتشوا البيت بكل احترام ثم رتبوا كل شيء واعادوه الي مكانه، ولم يحطموا البيت علي رؤوس ساكنيه ولم يضعوا الاحذية علي أعناق الرجال واكياس الخيش علي رؤوسهم، ولم يصرخوا كلماتهم البذيئة في وجوه النساء والاطفال، ولم يسرقوا الاموال وحلي النساء او يعتدوا جسديا علي اهل البيت، ولم يسلموا الكاميرات الي النساء لالتقاط الصور مهينة لاخوتهم وازواجهم وآبائهم امعانا في اذلالهم.
كما يفترض وزير الدفاع ومستشاره بان القوات، أيا كانت، ستصل الي البيت راجلة بلا دبابات او مصفحات او هامفيات او طائرات احيانا، غير مسلحة باخطر الاسلحة المصوبة نحو صدور اهل الدار، لذا سيكون من السهل جدا علي المواطن وزوجته واطفاله الصغار، المداهمين ليلا، المرتجفين ذعرا لهول الصراخ والضجيج واطلاق النار، ان يأمروا القوات بالعودة من حيث أتت لحين اصطحابها نوعا آخر من القوات والتأكد من هويتها. وان القوات العراقية، المدربة من قبل السيد المحتل، تختلف في سلوكها عن سيدها وانها حريصة جدا علي كرامة مواطنها وابناء شعبها الي حد الوقوف بوجوه قوات الاحتلال لتمنعها بحزم وصرامة من أي ممارسة مهينة بحق المواطن، أيا كانت قوميته او دينه او اتجاهه السياسي. وان معاملة قوات الجيش والشرطة معا، او قوات الجيش ومن يسمي بالقوات متعددة الجنسية، تختلف عن معاملة وسلوك بقية الميليشيات والعصابات وفرق الموت. لذلك علي المواطن الآمن المطمئن المتمتع بحقوقه كاملة في ظل ديمقراطية الاحتلال ان يرفض بعض انواع المداهمات وان يختار بملء ارادته، وهو المتمتع بديمقراطية الانتخابات والاصبع البنفسجي، المداهمة الافضل لبيته أي المداهمة المشتركة وليس المنفردة، وان كان من الافضل ،دائما، اختيار مداهمة رجال الجيش وقوات الاحتلال العالية الجودة. ولعل افضل مثال علي انسانية مداهمة قوات الجيش والشرطة وقوات الاحتلال للمواطنين ونجاحهم في توفير الطمأنينة عند اجراء المداهمات المشتركة، هو مذبحة حسينية المصطفي في حي أور ببغداد ليلة 26 آذار (مارس) الحالي. حيث داهمت القوات العراقية وقوات الاحتلال المشتركة الحسينية، بالاسلوب الانساني الرحيم ذاته الذي استخدموه ضد النجف والفلوجة وسامراء والقائم وحديثة وتلعفر، مطلقين نيرانهم العشوائية علي الجميع، متعاونين متكاتفين، فكانت النتيجة قتل جميع الحاضرين من المصلين وغيرهم وبالتعاون الكامل ما بين قوات الاحتلال والعراقية. ولم تتح الفرصة لاي حاضر في الحسينية ان يتبع نصيحة السيد وزير الدفاع ومستشاره للتأكد من هوية المهاجمين او مطالبتهم بابراز هوياتهم او العودة نهارا!
ويبلغ تحذير الوزارة قمة اللامعقول عندما يشير الي ان: من يخالف يعد منتهكا للقانون ويعرض نفسه للمساءلة القضائية . الامر الذي يستفز المواطن الي الصراخ غضبا. أي قانون يتحدثون عنه؟ وأي قضاء؟ ألا يعلم الوزير ومستشاره وكل الوزراء المنتهية صلاحيتهم بان القانون قد تم اختطافه وتعذيبه ورمي جثته في شوارع عراقنا؟ وان الميليشيات الطائفية والعرقية قد قتلت القضاء؟ وانهم، جميعا، بلا استثناء، قد خانوا ثقة الشعب الذي منحهم الاصوات في لعبة الديمقراطية والانتخابات معتقدا بانها المحطة الآمنة التي ستوفر للجميع السلام!
وقد بلغ التناقض في التصريحات والسلوك بين الوزارات المختلفة ومسؤولي الاحزاب وقادة الجيش وقوات الشرطة والمغاوير من جهة وبين المندوب الامريكي السامي زلماي خليل زاد والجنرال ابو زيد والجنرال كيسي والرئيس بوش وكونداليسا رايس ورامسفيلد، حدا سقط فيه حتي وشاح الاتفاق الشفاف الذي وافق كل من هلل للاحتلال علي تغطية رأسه به. لئلا يري معتقدا بان الآخرين لن يروه. ففي الوقت الذي يحذر فيه وزير الدفاع الدليمي من المداهمات المنفردة من قبل قوات الجيش او الشرطة يطالب تجمع الائتلاف باستلام صلاحية حفظ الامن من القوات الامريكية. وهو نفس الوقت الذي يصرح فيه قادة الجيش الامريكي المحتل بان قوات الامن والشرطة والجيش العراقية عاجزة عن حفظ الامن ومحاربة الارهاب، وهو نفس الوقت الذي تطالب فيه الحكومة المنتهية صلاحيتها بتمديد بقاء قوات الاحتلال لحين تهيئة القوات العراقية لحماية المواطن من كل من يعيق بناء الديمقراطية في العراق، وهو نفس الوقت الذي تصاعد فيه نمط القتل الجماعي البشع المستهدف لشرائح كبيرة من أهلنا وتزايد فيه عدد القتلي بعد التعذيب، وهو نفس الوقت الذي يسرح فيه الاحتلال ويمرح سارقا ثرواتنا، قاتلا ابنائنا وممتهنا لكرامتنا. ولعل أبسط دليل علي تخبط المسؤولين المنخرطين في سياسة الاحتلال وادعاء محاربة الارهاب ماصرح به اللواء مهدي الغراوي، قائد قوات حفظ النظام، لجريدة الصباح بتاريخ 4آذار (مارس)، حيث قال: اعترف أحد المجرمين الخطرين المدعو زيد الهلالي بعد القبض عليه والتحقيق معه علي ان 90 بالمئة من منتسبي أفواج حماية المنشآت متورطون أيضاً بعمليات ارهابية وما زالوا يتقاضون رواتب من الدولة ، وعن الاجراءات المتخذة بهذا الشأن قال: مسؤولية الافواج انيطت بوزارة الدفاع حصراً وهي الجهة المخولة باتخاذ الاجراءات المناسبة .
وقالت وزارة الداخلية ان السلطات اعتقلت أركان الباوي الضابط برتبة رائد في الشرطة بعد اتهامه بالمشاركة في فرق الاغتيالات التي تعتقل المواطنين ثم تقوم بتعذيبهم واعدامهم من دون تقديمهم للمحاكمة في أول اعتراف من الوزارة علي انخراط عناصر فرق الاعدام في هياكلها والمؤسسات التابعة لها.
ونقلا عن رويترز، ألقت القوات الامريكية القبض علي 40 من افراد قوات وزارة الداخلية، كانوا يحتجزون 17 اجنبيا في مجمع سري. وحاول مراسل الوكالة الاقتراب من المجمع الا ان افراد احدي الميليشيات الحامية للوزارة منعوه.
كما تم العثور علي 30 جثة مقطوعة الرأس علي الطريق العام بين بعقوبة والنهروان، شمال بغداد.
واعلنت الشرطة العثور علي 10 جثث في مناطق مختلفة من العاصمة. وكانت معظم الجثث مكممة ومصابة باعيرة نارية وبدا عليها اثار التعذيب.
وجاء في تقرير للامم المتحدة ان فرق اعدام منخرطة في هياكل وزارة الداخلية تنفذ اعدامات في بغداد وحولها وترمي جثثهم بالشوارع بعد تعذيبهم ومن ثم قتلهم باطلاق رصاصة في رأس كل معتقل.
هذا هو حال أهلنا بعد مرور ثلاث سنوات علي اكمال عملية تحرير العراق بالتعاون بين القوات الانكلو امريكية وبمساندة عراقيين كوفئوا بالمناصب والعقود. ان صناعة التفرقة الطائفية والعرقية ونمو مصالح كل من ارتبط بالاحتلال اقتصاديا وسياسيا، ريح مسمومة تهدد كرامتنا وحياتنا وبقائنا.
فمن هو المسؤول عن ارتكاب هذه الجرائم النكراء، ومن هو المسؤول عن وضع حد لها في خضم تلاطم التصريحات وتماهي شخصيات الاحتلال بمن يعمل معهم؟ والي متي يبقي سياسيو الاحتلال يتشدقون ببناء الديمقراطية وحقوق الانسان؟ ومتي يتوقفون عن التستر خلف عباءة محاربة الارهاب العالمي، المنسوجة خصيصا لحماية المصالح الامريكية في المنطقة، ليعلنوا وقوفهم بجانب شعبهم الذي يذبح يوميا، ليفضحوا اكذوبة الاحتلال في حماية العراقيين ومصالحهم، والمطالبة برحيل كل قوات الاحتلال بلا شروط، وتبنيهم مقاومة الاحتلال طريقا لاحترام كرامة المواطن وتحقيق السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية.
القدس العربي
أكذوبة ان يختار العراقي القوات المداهمة لبيته!- هيفاء زنكنة
