ليس هناك أقرب إلى مقولة الرئيس الأمريكي جورج بوش في الذكرى الثالثة لغزو قواته العراق بأن قرار الانسحاب من العراق متروك للرؤساء الأمريكيين القادمين وللقادة العراقيين، إلا مقولته الخاصة بالدولة الفلسطينية التي كان قد وعد أن تقوم في عام ،2005 وإذ به يقول إنه لا يتصور أن تقوم هذه الدولة قبل عام ،2009
أي قبل انتهاء ولايته الثانية والأخيرة. الرابط بين المقولتين هو الكذب والخداع، فهو كان قد أكد أكثر من مرة أن قواته لن تبقى يوماً واحداً في العراق بعد أن تحقق أهدافها، أو بعد أن يستقر الأمر في العراق وتتحقق الديمقراطية، لكنه كان ربطها بقرار من القادة العراقيين، أي أن أمر وجود القوات الأمريكية في العراق يقرره قادة العراق الشرعيون بعد انتخاب هؤلاء القادة.
أما الآن فإن أمر رحيل هذه القوات لم يعد بيد هؤلاء القادة وحدهم ولا بيد الرئيس الأمريكي القادم، لكنه بيد الرؤساء القادمين بما يعني أن هذه القوات سوف تبقى طويلاً في العراق، أي أن العراق سيبقى محتلاً الى أمد غير منظور.
هذا الأمد غير المنظور ليس له ما يشبهه إلا مقولة إيهود أولمرت رئيس وزراء الكيان الصهيوني المؤقت حول ربط حدود الكيان الصهيوني بالأمن “الإسرائيلي”: فحدود دولة “إسرائيل” حدود مرنة، تماماً كما هي أهدافها وكما هو أمنها. الأهداف غير محدودة، والحدود غير محددة، هذه هي الحقائق التي يجب أن يتعامل معها العرب، سواء كانوا قادة أو أحزاباً سياسية وقادة رأي عام ومنظمات ونقابات واتحادات أهلية.
العرب جميعاً مدعوون الآن للوعي بهذه الحقائق، الوعي بأن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع وجود، وجوده هو ووجودنا نحن، فوجودنا نحن ومصالحنا نحن باتت مهددة بوجود هذا الكيان القابل للتمدد في حدوده وأهدافه وليس فقط ليبتلع كل فلسطين بل وإلى ما هو أبعد من فلسطين في الدول العربية المجاورة. والصراع مع الاحتلال الأمريكي في العراق هو أيضاً صراع وجود العراق ذاته مستقراً وموحداً وعضواً فاعلاً في الجسد السياسي العربي.
مقولة الرئيس الأمريكي لم يكن ليجرؤ أن يرددها لو أن العراق موحد الآن، ولو أن شبح الحرب الأهلية البغيض كان بعيداً، لكنه يراهن الآن على أن هذا الشبح المخيف للحرب الأهلية العراقية هو الضمان الأهم لبقاء طويل الأمد للاحتلال الأمريكي. وإذا كان الأمر كذلك فالمؤكد أن الولايات المتحدة قامت بالدور الأهم في تفجير هذه الحرب لأنها تكاد تكون المستفيد الأوحد منها هي وحليفتها الصهيونية. وإذا كانت الحرب الأهلية العراقية أضحت مصلحة أمريكية، وإذا كانت هذه الحرب تهدد وجود الكيان العراقي موحداً فإن الولايات المتحدة تكون وفق هذه المعادلة عدواً للعراق ومن هو عدو للعراق هو عدو لكل عربي.
مباحثات أمريكا مع إيران حول العراق رغم كل ما بين البلدين من عداءات وحرب نفسية مفتوحة المدى تكشف أن الأمريكيين على استعداد لفعل أي شيء لإبقاء وجودهم في العراق أمداً طويلاً، وأن بوش لا يهمه موقف عربي رافض لهذا الوجود بل كل ما يهمه هو تهدئة الرأي العام الأمريكي واحتواء الرفض الأمريكي الداخلي بمزاعم كاذبة عن نصر كاذب يتحقق في العراق من خلال معارك تحصد أرواح الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ في سامراء وغيرها من المدن والقرى العراقية.
بوش يتلهف لتحقيق انتصار أبعد ما يكون إليه في العراق أياً كان الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي.
ثلاث سنوات مرت من دون أن يتمكن بوش من تحقيق هذا النصر. ثلاث سنوات أضحت كافية لفضح المزاعم الكاذبة للغزو الأمريكي للعراق، لكن الأهم الآن هو هل ستبقى الحكومات العربية طرفاً في المعادلة الأمريكية للحرب على العراق، هل ستبقى صامتة تجاه أكاذيب الحرب في العراق التي تتكشف حقائقها يوماً بعد يوم. مرة تنكشف أكاذيب أسلحة الدمار الشامل، ومرة تنكشف أكاذيب الديمقراطية. لقد جاء بوش لاحتلال العراق، وهذا هو اعترافه ولم يبق إلا أن يتعامل معه العرب على أنه محتل للعراق، وأن قواته قوات احتلال لا تملك شرعية للبقاء، وبعد ذلك تكون المراجعة للسياسات، المهم أن ينطلق من القمة العربية موقف عربي واضح وصريح يقول للأمريكيين إنكم قوة احتلال غير شرعي في العراق وبعدها يكون لكل حادث حديث.
بوش يفضح نفسه ... د. محمد السعيد إدريس
