الخليج: ما الأسباب التي دعتكم لزيارة موسكو ومن الشخصيات الرسمية التي التقيتموها وكيف تقيمون نتائج هذه اللقاءات؟
الضاري: كما تعرفون فإن الزيارة جاءت بدعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمعهد الاستشراق في أكاديمية العلوم الروسية وإننا استغللنا هذه المناسبة للقاء عدد من المسؤولين في وزارة الخارجية الروسية من بينهم نائب الوزير الكسندر سلطانوف وكذلك نائب وزير الخارجية لشؤون العلاقة مع منظمة المؤتمر الإسلامي إضافة إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الدوما ورئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية يفغيني بريماكوف باعتباره مستشارا للرئيس فلاديمير بوتين لشؤون الشرق الأوسط إضافة إلى عدد من الشخصيات الاجتماعية والدينية، ثم إن زيارتنا تحمل هدفين رئيسيين، الأول هو شكر القيادة الروسية والرئيس فلاديمير بوتين على مواقفها المبدئية تجاه العراق منذ ما قبل “الاحتلال” ووقوفهما إلى جانب العراق في محنته، ولإطلاع الأصدقاء الروس على حقيقة الوضع في العراق وكما هو وكما يجري، وللأسف فقد وجدناهم “عديمي المعرفة” بجميع الخفايا والحقائق التي تحدثنا عنها.
أما الأمر الثاني فهو يتعلق بما نريده من الصديقة روسيا، وهو دعم الشعب العراقي ودعم مسألة المطالبة برحيل قوات الاحتلال دون الانصياع للحجج التي تقدمها دول الاحتلال للبقاء فترة أطول في العراق خصوصا وان روسيا تتمتع بمركز دولي كبير كونها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي وستترأس قريبا “قمة الثمانية”، لهذا ولغيره جئنا.. ولكي تمارس دورها بالضغط بشأن إيجاد تسوية في العراق، وأن لا تصدق ما يقال بأن الأوضاع ستحل من خلال الحكومة القادمة والتي ستشكل من نفس العناصر الحالية مع تغيير طفيف في بعض المراكز.
الخليج: هناك انطباع لدى الروس وهذا نابع مما يتلقونه من معلومات بأن انسحاب قوات الاحتلال تعني نشوب حرب أهلية؟
الضاري: ألا ترون أن ذلك محاولة للهروب من الواقع الحالي.. نحن الآن أصلا في حرب أهلية غير معلنة، في ظل احتلال ظالم وبتشجيع منه.. ولذلك ندعوهم للرحيل.. ونحن العراقيين نكفل التفاهم فيما بيننا، وعندها سيبقى من يعجبه الحال في العراق، ومن لا يعجبه بالتأكيد سيرحل مع من أتوا به، لذلك فنحن قلنا لأصدقائنا الروس لا تصدقوا كل ما تسمعونه من غير العراقيين أنفسهم.
لقد أوضحنا للأصدقاء الروس بأن هدف العدوان هو ليس النفط كما يشاع، لان صدام حسين عرض عليهم قبل “الاحتلال” حصة 75 في المائة من هذا النفط لكنهم رفضوا، وإنما الهدف هو سياسي بحت، وهو أن يكون العراق القاعدة الأساسية في منطقة آسيا الوسطى لتهديد الدول المجاورة من بينها روسيا والصين ضمن سياسة الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية، أما الهدف الحضاري فإن كل ما جرى يستهدف الدور الثقافي والحضاري والعلمي للعراق، فقد دمروا المراكز الثقافية والمتاحف والمكتبات والمساجد والجوامع واستهداف القرآن الكريم بشكل منظم، وكل هذا جرى بتحريض "إسرائيلي”، حيث كان هذا مطلب العديد من الإدارات الأمريكية السابقة إلا أن الإدارة الحالية كانت هي الحلقة الأضعف في تلبية الطلب “الإسرائيلي” من خلال أعضاء اليمين المتطرف الحاقد على كل الحضارات والذي توغل في الإدارة الجديدة.
الخليج: وأين الموقف العربي من الأوضاع في العراق؟ وهل تأملون في شيء من قمة السودان؟.
نحن لا نؤمن بالقمم العربية جميعا ومن بينها قمة السودان، وللأسف فإن العرب يبتعدون عن الوضع في العراق، لا ندري لماذا!! ولا ندري هل ارتضوا لأنفسهم مثل هذا الموقف، أم هناك ضغوط عليهم وآمل أن يعوا خطورة ما يجري في العراق بشكل عام.
الخليج: الكثير يرون في مقاومتكم بأنها تحمل طابعاً “طائفياً” وهو إن السنة هم الذين يحكمون العراق منذ عشرات السنين ويجب أن يبقوا كذلك؟
الضاري: للأسف الشديد ان من الأخطاء الشائعة هو ان السنة هم الذين يحكمون العراق منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية. والحقيقة تقول غير ذلك، لان العراقيين بمختلف أطيافهم هم الذين حكموا العراق، ومنذ أن فشل المحتلون الانجليز في مقاومة الشعب العراقي وزيادة المطالبات بتأسيس حكومة وطنية في عشرينات القرن الماضي، قال لنا الانجليز من سيكون حاكما للعراق.. قلنا لهم في حينه “اتركونا نحن نختار من نشاء من بيننا” وعرضت في حينها أسماء كثيرة من كافة شرائح المجتمع العراقي ومنها اسم الملك المرحوم فيصل الأول الذي اختاره الشعب العراقي لأنه عربي من آل البيت ومن الأسرة الهاشمية وكان الإخوة الشيعة من أكثر المتحمسين لهذا الاختيار كونه كما قلت من “آل البيت”.
ومن يومها أصبح الحكم ملكيا هاشميا سنيا وكان نائبه شيعيا وهو السيد محمد الصدر، الذي كان ينوب عن الملك في حال غيابه إضافة إلى تعاقب العديد من الشخصيات السياسية العراقية الشيعية في رئاسة الحكومة على مر السنين أضف إلى ذلك ان مجلس النواب كان رئيسه ينتخب من قبل الأحزاب السياسية وليس الطائفية، وان هذه الأحزاب عادة ما تضم كل أطياف الشعب العراقي.. وسأروي لكم مثلا بسيطا.. في السابق كان في العراق 14 متصرفية (الآن تسمى محافظة) إحدى عشرة محافظة كان يترأسها أكراد ووزير الداخلية سعيد قزاز هو كردي أيضا ولم يكن هناك أي اعتراض.. وبعد الملكية كان عبد الكريم قاسم من الإخوة الشيعة وحتى مجيء صدام حسين وحزب البعث.
هل تعرف ان أكثر مؤسسي حزب البعث هم من الشيعة و95 في المائة من قيادته السياسية هم شيعة و40 في المائة هم من قياداته العسكرية وترأس مجلس الوزراء في عهد صدام ثلاثة من الشيعة وواحد سني، وإن الحزب كان يتكون من 40 فرعا يترأس الشيعة فيها 23 فرعا، وان رئاسة 7 فروع في جهاز المخابرات ال (10) كانت للشيعة وإن 75 في المائة من البعثات الدراسية للخارج كانت مخصصة للطلبة الشيعة، اليوم أصبح البعثي الشيعي هو مواطن مخلص وغير الشيعي فإنه “منبوش” في الأرض، وتعرف أن أكثر الذين عملوا بما يمسى بالمعارضة العراقية في الخارج هم من طلبة البعثات الدراسية وهذا يعني إنهم “بعثيون” وبخلافه لا يمكن لهم التمتع بمثل هذه الإجازات الدراسية.
الخليج: كيف تنظرون إلى المشهد السياسي في العراق الآن؟
الضاري:العراق للأسف يتخبط في فوضى في كل النواحي والصعد، وإن العراق مر في ظل الاحتلال بثلاث فترات من الحكم سميت “بالوطنية” ابتداء بما يسمى بمجلس الحكم المحلي مرورا بعلاوي والجعفري، وان هذه الأشكال “الرسمية” لم تقدم أي حل للمشاكل بل إن سياساتها عقدت المشاكل ووسعت حجم الكارثة التي يمر بها الشعب العراقي في كل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، فهي لم تهتم بمصالح الشعب العراقي بل انشغلت في قضاياها السياسية والطائفية التي عملت لها بكل السبل المشروعة وغير المشروعة على حساب الشعب العراقي، لذلك اعتبروا المقاومة “إرهابا” واعتبروا أي داعم لها بأنه “إرهابي” لذلك مضت حكومة علاوي وسارت من بعده حكومة الجعفري وبدأت بممارسة الإرهاب الطائفي المسيس، وأقول مسيساً لأن هذه الحكومة هي التي سيست الطائفية، والواقع أن هذه الحكومة بأحزابها الكردية والشيعية هي التي أقنعت سلطات الاحتلال الأمريكية بأنها ممثلة للشعب، وتؤكد أنها تمثل كل الشرائح فيه، وان هذا الكلام بعيد كل البعد عن الحقيقة.
وبعد مسرحية “الانتخابات” التي جرت في ظل الاحتلال ووصفت بأنها “نزيهة” فإني أقول إنها “فاشلة” مائة في المائة، واشترك في تزييفها وإخراجها بالشكل الذي تريده هي قوات الاحتلال والأحزاب التي تدعي شرعيتها في تمثيل الشعب العراقي، ولكن مع أنها زيفت وأجريت الا أنها لم تكن الأساس في تشكيل الحكومة المرتقبة التي لم تر النور حتى الآن وعلى هذا الأساس فإننا غير متفائلين بشأن الحكومة الجديدة ولا نتوقع منها أن تحل الإشكال العراقي في العموم.
الخليج: الكثير من الدول تطالب بتعويضات في حال تعرضها “للاحتلال” فهل لدى الهيئة أية نيات لتقديم أية قضايا دولية بشأن التعويضات للمتضررين؟.
الضاري: إن لدى الهيئة أرشيفاً ووثائق لجميع الخسائر التي ألحقها الاحتلال في العراق سواء المادية منها أو البشرية، وكذلك هدم كل ما يقع ناظرهم عليه من مراكز علمية وثقافية ومكتبات وقتل 100 ألف عراقي واعتقال 43 ألفاً دون توجيه أية تهمة ضدهم واعتقال وإطلاق سراح نحو 250 ألف مواطن قسم منهم اقتيد وهم عراة ومورست ضدهم أبشع الجرائم التي تعد انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، وتم قتل 187 أستاذا جامعيا و150 طبيبا استشاريا و300 تعرضوا لمحاولات اغتيال وهم من حملة الشهادات العليا، وتعرض الضباط السابقون والطيارون لعمليات تصفيات جسدية باستمرار وتصفية 200 من أئمة الجوامع والمساجد ورجال الدين.. والقائمة تطول.. كل ذلك يجري بمباركة قوات الاحتلال وبعلمها.. الا ان إثارة قضايا بهذه الجرائم فهي من اختصاص جهات عديدة، وان للهيئة هدفاً أساسياً هو طرد الاحتلال أولا وبالتالي التفكير في القضايا الأخرى، أما بالنسبة للتعويضات المالية فنحن وللأسف لسنا “الأبناء المدللين” لهذا العالم، بل العكس فإننا الأبناء المضطهدون.
الشيخ الضاري في حوار مع \"الخليج\": كل ما جرى في ظل الاحتلال باطل
