استجابة للضغوط الأمريكية، وتلبية لرغبة إيرانية، وفي ضيافة حكومة ألعوبة، عقد يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر آذار/ مارس من هذا العام 2012 م في بغداد مؤتمر القمة العربية.
فماذا بعد اجتماع الأعراب تحت مظلة من الطيران الأمريكي؟! حيث ازدحمت سماء بغداد وما حولها بالطائرات المروحية والمقاتلة والمسيرة، والأقمار الصناعية، يضاف إلى ذلك قوات نخبوية خاصة تتمركز في معسكر السفارة الأمريكية التي شغلت حيزا من الأرض يزيد على (450 دونم) ، أما إيران فأزلامها يسيطرون على الحكومة وبرلمانها وجيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية الميلشيوية، ويديرون العملية السياسية المخابراتية بقضها وقضيضها، ويقال: إنها أرسلت طواقم عسكرية ومدنية تولت تسيير الأمور في المطار، والمنطقة الخضراء، والمواقع الرئاسية الأخرى خلال القمة، فالله أعلم، هذا فضلا عن إشرافها المباشر على العملية برمتها.
فماذا بعد اجتماع الأعراب في خيمة نصبها كسرى وقيصر؟! ماذا بعد هذا الهوان من هوان ؟! حكام ضعفاء ألزمهم الغرباء الأقوياء بالاجتماع لدى العملاء، هذا هو التوصيف الدقيق لهذه القمة، فقد صدرت الأوامر من سيد البيت الأبيض إلى الحكام العرب ليجتمعوا في بغداد المغتصبة من قبل جيوشه الجرارة، وان ينصاع هؤلاء الحكام، معلنين السمع والطاعة له، فيعقدون مؤتمر قمتهم تحت حراب الغزاة المخضبة بدم الأخ الشقيق العراق، الذي كان عبر تاريخه الحديث سباقا في الوقوف إلى جانب إخوانه أشقائه، وان من حق العراقيين أن يعبروا عن خيبة أملهم بالنظام الرسمي العربي، متمثلين بقول الشاعر:
يا إخوة جربتهم فوجدتهم من إخوة الأيام لا من إخوتي
فلأنفضن يدي يأسا منهمُ نفض الأنامل من تراب الميت
وقول الآخر:
وإخـوان حسبتُهمُ دروعا فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهمُ سهاما صائباتٍ فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوبٌ لقد صدقوا ولكن عن ودادي
وقالوا قد سعينا كل سعي لقد صدقوا ولكن في فسادي
ماذا بعد أن شرعن الأعراب المجتمعون في بغداد اليوم للعدوان على العراق في العام 1991م تحت ذريعة إخراج الجيش العراقي من الكويت، واشتركوا فيه؟! وماذا بعد أن طبق هؤلاء الأعراب الحصار الذي استمر ثلاثة عشر عاما، فأذاب الشحم، واكل اللحم، وأعاد العراق إلى الوراء عقودا؟! وماذا بعد فتحهم أراضيهم ومياههم وأجوائهم للغزاة في العام 2003 م حتى أتموا احتلالهم لدار الخلافة؟! وماذا بعد تركهم هذا البلد الطيب لأمريكا وإيران، طوال قرابة عقد من الاحتلال، ولم يكن لهم أي تدخل في شؤونه إلا في حدود الالتزام بالتوجيهات الصادرة إليهم من واشنطن، وتبلغهم إياها السفارة أو وزارة الخارجية وأحيانا وزارة الدفاع الأمريكية؟! أما تهمة تدخل الأعراب في الشؤون الداخلية للعراق فهي أكذوبة يروج لها حكام العراق الجدد لتبرير السيطرة الإيرانية على ارض الفراتين؛ لأنه على العكس من ذلك فقد مارس الأعراب دورا واضحا في الضغط على مجموعات سياسية وشخصيات من بعض مكونات الشعب العراقي، للمشاركة في العملية السياسية المخابراتية، وإنفاق المال عليها لتحقيق هذه الغاية، وما يقال عن دعم عربي للمقاومة العراقية إنما يصدق إذا أريد به الدعم الشعبي لا الرسمي.
ماذا بعد قمة التفريط بحقوق العراقيين؟! وماذا بعد خذلان النظام الرسمي العربي وخيانته للقضية العراقية ؟! وماذا بعد حضور المؤتمر من قبل ممثلي حكومات افرزها الربيع العربي؟! وهل يؤكد ذلك الخشية والقلق من سرقة تلك الثورات المجيدة؟! وهل هو يقدم الدليل على صحة النظرية القائلة أن التغيير في بلدانهم العزيزة لم يكن ليتم لولا انه جاء موافقا لإرادة دولية، على الرغم من جهادية وصمود وتضحيات تلك الشعوب الأبية، وانه إنما يأتي توطئة لمخطط (سايكس بيكو) الجديد، وتكون أدوات تنفيذه حكومات تفرزها انتخابات صورية، على غرار الحكومة العراقية الحالية ؟!
لك الله يا عراق.. لك الله يا عراق.. لك الله يا عراق..
لكم الله أيها العرب والمسلمون.. لكم الله أيها العرب والمسلمون.. لكم الله أيها العرب والمسلمون..
لكننا نختم بصورة للتفاؤل عبر التذكير بوفاة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر فور عقده مؤتمر قمة عربي في القاهرة، بسويعات، وذلك في أيلول 1970 م ، وبإعراض الدنيا عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعيد شهور من رعايته مؤتمر قمة بغداد في العام 1990م ، على أثر دخول الكويت، وحربي العامين 1991، و 2003 م، وبمصير الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي عقب رئاسته لآخر مؤتمر قمة عربي في بلاده، وإننا لنتفائل بنهاية عهد الاحتلال المزدوج: الأمريكي- الإيراني، وسقوط الحكومة الدمية في العراق بعد مؤتمر القمة الأخير في بغداد، راجين أن يكون فألا حسنا.
ماذا بعد قمة الجبناء لدى العملاء ؟! ... د. ثامر براك
