إن نشأة العديد من الدول تقوم على فكرة فلسفية أو أيدلوجية أو دينية، وكانت هذه النشأة مرتبطة بالتوسع والانتشار حيث كان بعضها يتوسع على المستوى الجغرافي كما حدث للعديد من الإمبراطوريات أو على المستوى الفكري، كما حدث لبعض الأفكار والفلسفات مثل الإغريق وغيرهم، أو على المستوى الجغرافي والفكري معاً كما حدث للدولة الإسلامية في تاريخها، حيث توسعت الفتوحات الإسلامية وزاد عليها انتشار الفكر والدين الإسلامي لمساحة أكبر من توسعها السياسي والجغرافي.
إلا أن الجامع لكل هذه الدول وكل هذه الحضارات هو ضعفها وزوالها بعد تخليها عن التوسع إلى الخارج سواء التوسع الجغرافي أم الفكري حيث إن الانكفاء على الذات كان دائماً بداية النهاية، وهي مرحلة الدعة والركون لما تحقق كما قالها أحد التاريخيين.
وعلى الرغم من أهمية الأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لقيام وانهيار الدول إلا أن هذه العوامل كذلك مرتبطة بشكل كبير بنشاط الدولة في الخارج وضعفه إلى حد كبير حيث إنه عندما تتخلى الدولة - أية دولة - عن نشاطها الخارجي وبث فكرها ومنطلقاتها فإنها تبدأ بفقدان وسائل الدعم والمؤازرة الخارجية وتفقد نقاط قوتها ووسائل تنفيذ سياساتها الخارجية وحضورها الخارجي، بل إن هذا الضعف سوف يكون باعثاً للعديد من القوى والدول الأجنبية لأخذ زمام المبادرة لتفكيك التحصينات الفكرية للدولة، ومن ثمَّ بداية مهاجمتها داخلياً سواء كان فكرياً أم اقتصادياً أم سياسياً، وبالتالي تتحول بفعل الانكفاء على الذات من حالة الهجوم ونقل المعركة للخارج إلى حالة الدفاع ونقل الحركة للداخل!!.
إنه عندما تتخلى أية دولة عن نشر معتقداتها وفكرها في الخارج فإنها سوف تحارب معتقدات الآخرين وأفكارهم على ساحتها الداخلية، وهذا ما يحدث بالفعل للعديد من الدول، حيث تتخلى الدولة عن دعم ومؤازرة قواها الفكرية الخارجية لتتحول تلك المعركة الخارجية إلى معركة داخلية على حقوق الأقليات الداخلية، وحقوق المعتقدات الفكرية للأقليات الفكرية، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الشواذّ جنسياً!!، وحقوق الحيوانات، وحقوق الشجر، وإلى آخر ذلك من عوامل التدخل الخارجي المغلف بحزمة من الحقوق لأهداف سياسية!!.
إن الهدف يجب أن يكون تطوير أدوات العمل الخارجي وليس قطعه وبتره والانكفاء على الذات، إنه في الوقت الذي يتطلب فيه بعض القوى المهيمنة من الدول الإسلامية التخلي عن دعم أفكارها ومعتقداتها تحت مظلة ذرائع عديدة، تقوم هي ذاتها بدعم أفكارها ومنطلقاتها عبر العديد من المنظمات الرسمية وغير الرسمية، المادية والعسكرية!!، وفي الوقت الذي تنكفئ الدول العربية والإسلامية على ذاتها نجد أن القوى الأخرى تنقل المعركة من خارج الدول العربية إلى داخل مدن وقرى الدول العربية، وهذا هو الطوفان القادم!!.
إن آثار الحادي عشر من سبتمبر على نشاط المملكة العربية السعودية في الخارج أفقدها أدوات العمل والتواجد الدولي من حيث وجود القوى الداعمة لها في العالم بالطريقة النظامية والقانونية، ولذلك فإن التخلي عن هذه المكتسبات أفقدنا العديد من المواقع التي تُركت للآخرين، بل ونقل الحديث والجدل من البعد الخارجي إلى البعد الداخلي وهذه هي الخطورة الكبرى في ذلك.
إنه إذا ما استمر هذا الانكفاء على الذات لمدة طويلة تحت ذرائع عديدة دولية وسياسية فإن حالة الدفاع عن الذات سوف تتحول إلى ضعف. إن الأمر الملح اليوم هو تفعيل أدوات القوة الكامنة لدى هذه الدولة المباركة حتى يمكنها استخدام هذه الأدوات كعوامل لتفعيل الحضور الخارجي على مستوى القوة والفاعلية، وكل ما يتطلبه الأمر هو إعادة التفكير بهذه العوامل بشكل نظامي وموضوعي يخدم مصالح المملكة في الخارج.
جريدة "الرياض" السعودية
الانكفاء على الذات.. بداية الضعف والهوان.. د. صالح النملة
