هيئة علماء المسلمين في العراق

\"فرق الموت\" إنتاج عراقي أم تدبير أمريكي؟!!.. محمود كعوش
\"فرق الموت\" إنتاج عراقي أم تدبير أمريكي؟!!.. محمود كعوش \

\"فرق الموت\" إنتاج عراقي أم تدبير أمريكي؟!!.. محمود كعوش

من يقف على رأس هرم تشكيلات هذه الفرق الإجرامية؟!! إدارة المحافظين الجدد تتهم العملاء للفت الأنظار عن المدبرين الإستراتيجيين الحقيقيين. اعترف المسؤول السابق في الأمم المتحدة جون بيس بأن مشرحة العاصمة العراقية بغداد تلقت في الأشهر القليلة الماضية أكثر من سبعة آلاف جثة تعود لأشخاص قتلوا بأيدي أعضاء فرق الموت الشيعية. وأضاف بيس الذي كان يعمل مديراً لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في العراق "أن غالبية الجثث التي تلقتها مشرحة العاصمة في الأشهر الماضية كانت تظهر عليها علامات تعذيب وخروق بالمسبار الكهربائي وآثار حروق" مضيفاً أن "غالبية الجثث أظهرت تعرض أصحابها لإعدامات فورية، حيث بقيت أيدي الضحايا مقيدة بالحبال والأسلاك البلاستيكية".

وقال جون بيس "إن الجثث كانت تصل إلى المشرحة المركزية بمعدلات كبيرة قبل الهجوم على مرقد الإمامين الهادي والعسكري في مدينة سامراء" مؤكداً أن "معظم عمليات القتل قامت بها ميليشيات تابعة لوزارة الداخلية التي يسيطر عليها بيان جبر صولاغ، أحد قيادي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومسؤول ميليشيات بدر التابعة للمجلس التي تتلقى تعليماتها وأوامرها مباشرة من العاصمة الإيرانية طهران.

وأوضح جون بيس أنه استناداً للأرقام المعززة بتقارير الطب الشرعي التي كان يتم تحويلها إلى الأمم المتحدة فإن المشرحة المركزية العراقية كانت تتلقى شهرياً بين 700 و1100 جثة،"إلا أن الأرقام تجاوزت هذين الرقمين بكثير بعد الهجوم على المرقد سالف الذكر"!! واتهم بيس قوات بدر تحديداً بالقيام بعمليات التصفية قائلاً "قوات بدر موجودة في الشرطة، وهي التي تقوم بعمليات القتل، وهي القوات الأكثر شراسة ودموية في العراق".

ووكالة "القدس برس" التي قضى مراسلها في بغداد يوماً كاملاً في مشرحتها أكدت أن عشرات الجثث تلقى يومياً أمام أبوابها وأن "المسؤولين العراقيين يخشون الإدلاء بأي تصريحات عن أعداد القتلى الذين يُنقلون إليها". الوكالة اعترفت أنه "لم يكن من السهل التنقل وسط عشرات الجثث التي تم العثور عليها بطرق مختلفة، فللوهلة الأولى يكاد الداخل إلى مشرحة بغداد يصاب بالإغماء ويسقط مغشياً عليه من تلك المشاهد التي بذلنا أياماً من أجل إقناع المسؤولين على رؤيتها"!!

وفي ما يمكن اعتباره إشارة مبطنة لطوق السرية والتعتيم الإعلامي المضروبين على المشرحة، قالت الوكالة إنه "بعد أكثر من محاولة وافق المسؤولون على السماح لنا بالدخول إليها شرط أن لا نصطحب معنا أي أداة صحفية يمكنها أن تنقل للرأي العام ما يجري في داخلها، ولم ينس هؤلاء أن ينبهونا إلى ضرورة أن تكون عزائمنا قوية لنستطيع تحمل ما سنراها هناك "!!

أما صحيفة "هيرالد تربيون" الدولية فقالت بدورها إن "أحداث العنف التي اجتاحت العراق مؤخراً تؤكد مخاوف السنة من أن أية حكومة شيعية لن ترفع إصبعاً واحداً لحماية حياتهم وعائلاتهم وممتلكاتهم ومساجدهم"، مضيفة أنه "لا يمكن تحميل العنف إلى مجموعات من المقاتلين السنة أو قياداتهم، ولكنه مرتبط بالقادة السياسيين من أبناء الطائفة الشيعية الذين رفضوا الاستماع لمطالب السنة الخاصة بتعديل الدستور ومنحوا ميليشياتهم المواقع الرئيسية والحساسة في الدوائر التابعة لوزاراتهم التي قبضوا على زمام أمورها مع تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة العميلة في بغداد في العام الماضي!!. ورأت الصحيفة المذكورة أن "الشيعة لا زالوا يرفضون فكرة إنشاء حكومة وحدة وطنية"!!. وعلى الرغم من محاولة الحكومة العميلة التقليل من شأن ما حصل من قتل وذبح وسحل وإعدام بعد جريمة مرقد الإمامين الهادي والعسكري إلا أن العديد من الصحف ومن بينها الـ"واشنطن بوست" أكدت أن العنف الطائفي الذي شهده العراق في الأسبوع الأول الذي تلا تلك الجريمة أودى بحياة أكثر من 1300 عراقي غالبيتهم من السنة!! وبالطبع فإن هؤلاء ذهبوا ضحية فرق الموت المنتشرة في العراق بكثافة كبيرة.

وبدوره كشف المسؤول البريطاني أليكس ويلسون عن وجود "فرق الموت" في العراق في تصريحات إعلامية له حملها فيها مسؤولية عمليات اغتيال مركزة استهدفت أبناء السنة منذ شهر آذار 2005 مما يعني أن هذه الفرق الإجرامية ترتكب المجازر في بلاد الرافدين منذ ما يزيد عن عام. وحسبما أوردت "مفكرة الإسلام"، فإن هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي ومؤتمر أهل العراق كانوا قد نشروا تقريراً حملوا فيه عناصر من "فيلق بدر" التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق مسؤولية الاغتيالات التي تمت بحق السنة، متهمين إياها باستخدام زي الشرطة وأسلحتها ومعلوماتها لتنفيذ جرائمها بتشجيع من قيادات عُليا في وزارة الداخلية. 

الكثير قيل ونشر عن فرق الموت في العراق، وما قيل ونشر حتى الآن هو غيض من فيض ما حدث ومدبر له أن يحدث في قادم الأيام. الآن ونحن نُحيي الذكرى الثالثة لاحتلال العراق بكل ما نختزن من المرارة وما نعول من الآمال العريضة على المقاومة البطلة، نرى أن الضرورة تقتضي المساهمة في تعرية الجهات التي تقف وراء هذه الفرق المجرمة سواءً كانت أفراداً أم مؤسسات حكومية محلية أم استعمارية.

فما هي حقيقة هذه الفرق؟! ومن يقف وراءها؟! وهل هي من إنتاج عراقي محلي أو من تدبير أميركي؟! وإذا كان الأميركيون هم المدبرين الإستراتيجيين لها، فما هي الأهداف الحقيقية من وراء تشكيلها؟! 

باحثون وصحافيون كُثر عرب وأجانب حاولوا أن يجيبوا عن هذه الأسئلة منذ أن شاع الحديث المتواتر بين العراقيين عن عشرات بل مئات الجثث التي يتم العثور عليها يومياً في أماكن مختلفة من العراق وتستقر أخيراً في مشرحة بغداد والتي يعزو البعض مسؤوليتها لفيلق "بدر" التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، باعتبار أن قوات هذا الفيلق تغلغلت بعد المسرحية الانتخابية التي شهدها العراق في 30 كانون الثاني 2005 في صفوف مغاوير الشرطة وسيطرت عليها، إلا أن الباحث والكاتب الأميركي ماكس فولر المختص في الشؤون الخارجية ومؤلف كتاب "العراق: الخيار السلفادوري يصبح حقيقة" كان أفضل من أجاب عن هذه الأسئلة في مقالة له تم نشرها مؤخراً، أماط اللثام فيها عن معلومات خطيرة تم تداولها في ردهات ودهاليز الإعلام العالمي على مستوى ضيق.

فولر أشار إلى حقيقة وجود "فرق الموت" الإجرامية وتغلغلها في صفوف "مغاوير" وزارة الداخلية وقيادة القوات الخاصة التابعة لهذه الوزارة التي يمسك بتلابيب مسؤولياتها وزير شيعي تابع للمجلس الأعلى، وداخل جهاز المخابرات الذي ما يزال مرتبطاً بالمخابرات الأميركية أل"سي.آي.إيه" وجهاز الأمن القومي الذي يمسك به مستشار الأمن القومي المعين من سلطة الاحتلال موفق الربيعي. وأبرز القيادات العراقية التي تمسك بخيوط فرق الموت هذه هم: رشيد فليح (شيعي) قائد قوات المغاوير وعدنان ثابت (شيعي) الذي تدور شكوك قوية عن علاقته بإيران وهو قائد القوات الخاصة، ومحمود الشهواني (سني) قائد جهاز المخابرات العراقية وهو أيضا عميل لأجهزة المخابرات الأميركية منذ ثمانينات القرن الماضي، فيما يقف على رأس هذه الفرق مستشار الأمن القومي العراقي الدكتور موفق الربيعي ووزير الداخلية بيان جبر، وهما الشخصان اللذان ما زالا  يثيران شكوكا قوية لدى جهات عراقية عديدة!!

الباحث والكاتب الأميركي فولر ذو الدراية بخيارات حكومة بلاده التي طُبقت سابقاً في أميركا اللاتينية والسلفادور على وجه الخصوص ساق الأدلة المتتالية ليظهر مدى تورط الحكومة الأميركية الحالية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد في مسلسل الرعب الذي يعصف بـالشعب العراقي من قتل واغتيال وإثارة اقتتال وزرع لبذور حرب أهلية. فتحت عنوان «استغاثة كاذبة عن ذئب... مماليك الـ"سي آي أيه": الشهواني والربيعي وكمال وفليح و ثابت وليث كبة وآخرون»، كشف فولر معلوماته الخطيرة في مقالة نشرها على موقع مركز "الأبحاث العالمية".

قال فولر في مقالته إنه على الرغم من أن أصابع الاتهام في ما يجري في العراق من مجازر وتصفيات تشير بوضوح متصاعد إلى وحدات منظمة تنظيماً جيدا ومدارة من قبل وزارة الداخلية، يبقى هنالك خط دفاع واحد قبل تثبيت مسؤولية الرعاية الفكرية لهذه الجرائم على عاتق قوات الاحتلال".

فمنذ انتخابات 30 كانون الثاني 2005 المسرحية وانتقال السلطة من الحكومة المؤقتة برئاسة أياد علاوي إلى الحكومة الانتقالية برئاسة إبراهيم الجعفري في أيار من ذلك العام، بدأت جوقة الإعلام الرئيسية تعزف على نغمة سقوط السلطة في العراق بأيدي الأغلبية الشيعية!! وركزت الجوقة الإعلامية عزفها على القول إن وزارة الداخلية وقوات الأمن أضحوا تحت سيطرة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وإن فيلق بدر يستحوذ الآن على سلطة هائلة داخل الوزارة حيث إن الوزير بيان جبر نفسه يوصف بأنه من أعضاء فيلق بدر البارزين، وبأن هذه السلطة تتجسد في سياسة اجتثاث البعث، هذه العملية التي تعطلت في زمن حكومة علاوي ولكنها تعتبر أساسية عند الحكومة الجديدة. الإدارة الأميركية في الواقع عارضت هذه السياسة بشدة بحجة خسران الكوادر المخضرمة ـ أي المفضلين لدى واشنطن!! ـ بالأخص ضمن قوات الأمن وأجهزة المخابرات.

وطبقا للمستشار القانوني «السني» في وزارة الداخلية فراس النقيب فانه تم طرد 160 ضابطا من الوزارة، وعيّن مكانهم عناصر شيعية مضمونة الولاء للكتلة الشيعية التي فازت بالانتخابات. وأضاف فولر أن الجنرال رشيد فليح المقرب جداً من بيان جبر بدا واثقا ليس فقط من دعم عناصر بدر السابقين لمغاوير الشرطة وإنما لتعيينهم بوتيرة أسرع ونطاق أوسع كذلك في صفوف المغاوير.

ولعل استمرار فليح هذا في الاحتفاظ بمركزه هو أمر جدير بالملاحظة. فعلى الرغم من كونه شيعيا إلا أنه كان المسؤول عن قمع التمرد الشيعي الذي أعقب حرب الخليج وبالذات في مدينة الناصرية، ومع ذلك لم يتحول إلى هدف لتطبيق ما اصطلح على تسميته عهراً "سياسة اجتثاث البعث". كذلك الحال بالنسبة لعدنان ثابت الذي احتفظ بمركز القائد الأعلى لكل القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية.

وحسب فولر فإن بيان جبر تناول مؤخرا موضوع "اجتثاث البعث" بالادعاء أن مفتشا عاما يعالجه، وان التجنيد لقواته لا يخضع لاعتبارات مذهبية!! وحاول جبر تعزيز تصريحاته من خلال الإشارة إلى أن ضباطا كبارا في أجهزة وزارته الأمنية هم من السنة ومن ضمنهم نائب شؤون المخابرات الجنرال حسين كمال. وللعلم فإن حسين كمال هذا هو قائد ما يسمى "تشكيل الجواسيس في وزارة الداخلية"!!.

وأكد فولر في مقالته أن جهاز المخابرات بأكمله هو من صنع أجهزة المخابرات الأنكلو ـ أميركية، وقد بدأت في بنائه منذ الأيام الأولى للاحتلال في عام 2003، مع "أننا نشك في أن هذا البناء قد بدأ قبل هذا التاريخ!!". ولا يتردد فولر في القول إن "مؤسسة المخابرات العراقية ترأسها مملوك آخر من مماليك أل "سي. آي. إيه" هو الجنرال محمود الشهواني الذي ربته مؤسسة المخابرات الأميركية هذه منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى أن أصبح الآن مدير جهاز المخابرات الوطنية الجديد.

ويضيف أن الشهواني حاله حال عملاء الـ "سي آي إيه" القدامى الآخرين من أمثال فليح وثابت، منوهاً إلى أنه تم تجنيد عناصر أخرى للجهاز "نفترض أنهم كذلك من مماليك السي آي إيه في أغلب الأحوال" من بين صفوف المجاميع السياسية الرئيسة وهي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، الحزبان الكرديان، المؤتمر الوطني والوفاق الوطني "التشكيلة التي كونت ما سمي بمديرية جمع وتحليل المعلومات التي انحصرت مهمتها الأساسية بتحويل المعلومات الأولية إلى أهداف يمكن استخدامها في العمليات".

وبشأن هذه "العمليات" أضاف فولر أنها كانت في البداية تنفذ من قبل وحدة شبه عسكرية مكونة من ميليشيات من المجاميع السياسية الخمسة المذكورة أعلاه تعمل مع القوات الخاصة الأميركية وتحت إمرة القادة الأميركيين لملاحقة المقاومين العراقيين الذين يدعي أنهم "متمردون"، إلا أنه ومع تطور أجهزة الدولة العراقية الجديدة تشعبت العمليات فتجاوزت وزارتي الداخلية والدفاع لتشمل "نخبة منتقاة أخرى تابعة لجهاز المخابرات الوطني".

كما تم تأسيس لجنة التنسيق المعلوماتي الوطنية للإشراف على عمل الأجهزة الثلاثة هذه ـ وزارتي الداخلية والدفاع وجهاز المخابرات الوطني ـ وأوكلت مسؤوليتها لموفق الربيعي مستشار الأمن الوطني الذي عين في منصبه في نيسان 2004 وهو ذاته القيادي الشيعي الذي كان ناطقا باسم حزب الدعوة في ثمانينات القرن الماضي عندما كان الحزب منظمة إرهابية خطيرة تستهدف النظام العراقي قبل أن تتحول للمساهمة في تنسيق أنشطة المعارضة العراقية من لندن.

وعمل الربيعي مع مؤسسة الخوئي (منظمة خيرية موالية للولايات المتحدة كانت توزع الأموال نيابة عن جهاز المخابرات الأميركية ولها وشائج مع الصندوق القومي الأميركي للديمقراطية من خلال مستشار الجعفري ليث كبة الذي هو الآخر مملوك قديم لجهاز المخابرات الأميركية أل "سي. آي. إيه").

وكشف فولر في مقالته النقاب عن أن "الأجهزة المخابراتية الجديدة تتولى عملية تجهيز المعلومات لوزارة الداخلية لتنفيذ الاعتقالات. وفي هذا الصدد استشهد فولر بما سبق أن كتبه الصحافي في وكالة "يونايتد برس" ميتشل بروثيرو عندما قدم تقريراً مقززاً رسم فيه صورة مجسمة تقريبا لإحدى عمليات الاعتقال البربرية.

العملية التي تمت في يوم 27 حزيران 2004 وقدمها بروثيرو تحت عنوان: "الترحيب بحفظ القانون على طريقة قوات الثغور النائية" وصف فيها كيف كان الهلع باديا على وجوه السكان عندما حطمت أبواب منازلهم وسط بغداد، وفي غمرة الصراخ والذعر اختطف الرجال من بيوتهم من قبل أفراد القوة المهاجمة واقتيدوا إلى مكان تم سحلُهم فيه. خطط لهذه الغارة وعلى مدى اشهر جهاز مخابرات الجنرال حسين كمال من وزارة الداخلية، والقوة المهاجمة كانت تدقق أسماء المعتقلين الذين تجاوز عددهم 100 معتقل وتقارنها بقوائم معدة سلفاً.

الصحافي في "يونايتد برس" ميتشل بروثيرو شاهد بأم عينه العمل الدؤوب للقوات المكلفة بتليين المعتقلين بواسطة العصي والسلاسل المعدنية في العربات الخلفية التي كانت تجرها السيارات بعيداً عن أعين الناظرين. ولكن التجاوزات الأخطر فضحت لاحقا ومن داخل مجمع وزارة الداخلية.

ففي يوم 29 حزيران من ذات العام اقتحمت ثلة من الحرس الوطني الأميركي لولاية أوريغون مبنى وزارة الداخلية وجردت شرطة عراقيين يرتدون ملابس مدنية من سلاحهم كانوا ينهالون ضربا على سجناء مقيدين ومعصوبي الأعين. قدم الجنود الأميركيون الإسعافات الأولية للمعتقلين الذين كانوا كذلك محرومين من الماء والطعام لمدة ثلاثة أيام، والعديد منهم كانوا بوضوح في حالة خطيرة.

تم الاتصال بين الوحدة الأميركية وبين الضابط ستيفن كاستيل للمساعدة في التعامل مع الموضوع، وبعد سويعات من المفاوضات انسحب الجنود على مضض تاركين الضحايا بأيدي جلاديهم ولربما لم يعرف مصيرهم النهائي أبدًا!! ولكن ستيفن كاستيل علق قائلا: هناك دائما بندول ـ رقاص الساعة ـ يتأرجح بين الحرية والأمن"!!

وبعد سرده حكاية بروثيرو تابع ماكس فولر قائلاً إن محمود الشهواني حاله حال ثابت وفليح احتفظ بموقعه في ظل الحكومة الانتقالية واستمر في العمل تحت إمرة الـ"سي.آي.إيه"، موضحاً " أن الغاية من الحديث أو التلميح بان ميليشيات مبهمة تقوم بأعمال الإعدام وإثارة النزاعات الطائفية ووضع اللوم كله على السيطرة الشيعية وعلى وزارة الداخلية (مركز الفضائع حسب تشخيص بيتر بيومونت) يهدف في الواقع إلى إبعاد التهمة عن الولايات المتحدة من الجرائم الفظيعة التي ترتكب ضد الإنسانية.

ويستدل على ذلك "بأن الولايات المتحدة اعتادت استخدام استراتيجيات تظليلية مماثلة في كل صراعاتها ضد عمليات المقاومة الوطنية المسلحة التي واجهتها في الدول التي غزتها سابقا بذرائع وحجج واهية. ويشهد على ذلك جون نيغروبونتي الذي عمل سفيراً لها في أميركا اللاتينية ثم العراق قبل أن يعين رئيساً لأجهزة المخابرات الأميركية. واكتسبت هذه الاستراتيجيات تسمية محددة تعرف بـ"الإنكار بمصداقية".

ففي كولومبيا على سبيل المثال لا الحصر حيث تورطت الولايات المتحدة عميقا ولعقود مديدة وصفت فرق الموت شبه العسكرية دائما بأنها قوة ثالثة في النزاع المسلح على الرغم من أن ضحاياها كانوا على الدوام من المدنيين المناهضين للحكومة، وعلى الرغم من أن أفراد الفرق هذه كانوا مختارين مباشرة من بين صفوف القوات المسلحة، وعلى الرغم من أن قدراتهم على العمل ما كان لها أن تتوفر إلا بالتواطؤ النشط للجيش.

والأهم من كل ذلك هو أن ماكس فولر اختتم مقالته بالتأكيد على أنه "مهما كانت الكاشفات المسلطة على فرق الموت هذه كجزء من - دولة الظل - التـي عادة ما تشكلها الولايات المتحدة باعتبارها سلطة استعمارية " فلا بد لها من أن تظل لغزا محيراً أو على الأقل محاطة برمادية خاصة!! وفي حالة العراق تحديدا، فان استراتيجية التضليل هذه مصممة ليس فقط للتستر على المدبرين الاستراتيجيين الحقيقيين لجرائم الإبادة هذه ولكنها تبدو كذلك موجهة نحو خلق ذات الاستقطابات الطائفية التـي تتجلبب بها هذه الجرائم!!

ما أورده فولر وآخرون عن هذه الفرق الغريبة والطارئة على المجتمع العراقي خاصة والأمتين العربية والإسلامية عامة يبقى نقطة صغيرة في ما تخبئه سلطة الاحتلال الأميركية للعراقيين والعرب إذا ما نجحت في تحقيق مخطط المحافظين الجدد الخاص بالعراق؟!!!.

التجديد العربي

أضف تعليق