هيئة علماء المسلمين في العراق

في ذكرى الشهيد ياسين \"الإسلام اليوم\" تحاور نجله عبد الحميد
في ذكرى الشهيد ياسين \"الإسلام اليوم\" تحاور نجله عبد الحميد في ذكرى الشهيد ياسين \

في ذكرى الشهيد ياسين \"الإسلام اليوم\" تحاور نجله عبد الحميد

في يوم 22 / مارس تكرر مشهد يتقنه اليهود كثيرا، ولطالما طبقوه مع الأنبياء والصالحين. فقبل عامين من الآن وبالتحديد في فجر الثاني والعشرين من شهر مارس أقدم جيش الاحتلال الصهيوني على جريمته النكراء التي تعكس السلوك الحيواني المتأصل والهمجية المطلقة لجيش وقادة الاحتلال باغتياله للشيخ الشهيد أحمد ياسين وهو خارج من المسجد بعد أداء صلاة الفجر بمدينة غزة . رحل الشيخ ياسين الرمز والقائد والمؤسس لحركة المقاومة الإسلامية حماس بعد أن أعد جيلا كاملا من المجاهدين والقادة تربى على فكر الشيخ الشهيد، وتشربت نفسه من روح التضحية والفداء صيانة للكرامة، ودفاعا عن المقدسات.

كان الشهيد أحمد ياسين مقعد الجسد لا مقعد الهمة والإرادة، ولذلك عجزت كل أشكال الإرهاب الصهيوني عن ثنيه عن طريقه الذي آمن به ونهجه الذي رسمه لنفسه ولشعبه المجاهد في فلسطين.

لمعرفة جوانب من حياة الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التقت " شبكة الإسلام اليوم " بنجله عبد الحميد ياسين، وكان لنا معه هذا الحوار.

بداية حدثنا عن طبيعة حياة الشيخ؟

بالنسبة لحياة الشيخ فهي حياة عادية مثل أي مواطن، حياة بسيطة. هذا البيت بناه الشيخ في السبعينيات من القرن الماضي ، بيت متواضع من "الإسبست" وعاش فيه (30) عاماً تقريباً، أما بالنسبة للأسرة فقد كانت علاقته بنا علاقة طيبة، علاقة أبوة وحنان ومحبة.

ما هي الأمور التي كان يركز عليها الشيخ في تربيته لأبنائه؟

كان يركز على المعاملة الحسنة للآخرين، وأن نتمثل أخلاق الإسلام في معاملاتنا مع الناس جميعاً؛ لأن الإنسان إذا لم يكن لديه دين فإنه لا يساوي شيئاً، حتى لو حصل على أعلى الدرجات العلمية، وإذا جمع الدين والعلم فهذا نور على نور.

أنت رافقت الشيخ في المعتقل، حدثنا عن هذه الفترة من حياته؟

الشيخ اعتقل في 17 / 5 / 1989، وقد قال لي الجيش الإسرائيلي: يجب أن ترافق الشيخ، فذهبت معهم من البيت إلى سجن "السرايا"، ومكثت (18) يوماً، عشرة أيام في التحقيق، كنت مقيد الأيدي والأرجل، وهم يحققون مع الشيخ، وكنت أساعد الشيخ في أموره اليومية، وقد مرض بسبب التحقيق، فنُقل إلى سجن الرملة للعلاج، ومكثت في الزنازين (8) أيام ثم خرجت من السجن.

ما التهم التي وُجّهت للشيخ؟ وكيف تعامل مع المحققين؟

لم أكن معهم، فقد كنت في غرفة والشيخ في غرفة أخرى، لكن كانوا يقولون له: ألا تريد أن تعترف؟! فيقول: قلت لكم كلمة لا أغيرها، فقالوا له: هاهو ابنك نقتله أمامك!! فيردد: قلت لكم كلمة لا أغيرها، ولم أكن أعرف ما الذي قاله لهم.

ما هي مشاعرك في هذه اللحظة وهو يتعرض للتعذيب؟

طبعاً كان يتعرض للتعذيب؛ لأنه بعد أربعة أيام عندما بدأت أجلس معه كانت آثار الضرب بلون أخضر على صدره، وكانوا ينتفون شعر لحيته، كما كانوا يفعلون بجميع المعتقلين، فعندما تدخل إلى الزنزانة تجد الشعر متناثراً، والشيخ كان يحقق معه محققان اثنان يجلسان عن يمينه وشماله، ويطلبان منه الاعتراف، فيرفض قول أي شيء، ولم يكن عليه اعتراف، لكن ظروفه جاءت هكذا.

كيف تصف لنا هذه اللحظات؟

كنا نصعد الدرج، فكان الجنود يحملون الشيخ بالكرسي المتحرك، فحشروا ولم يستطيعوا التحرك به، فجاء جندي ضخم وأمسك الشيخ من رقبته، وضغط عليه ضغطة قوية فارتجّ جسدي؛ لأنك عندما ترى منظراً كهذا، ولا تستطيع فعل شيء فإنك تشعر بالغيظ.

نرجو أن تحدثنا عن حياة الشيخ في السجن. كيف كان يقضي وقته؟ وكيف كان يتعامل مع الأسرى؟

لم أعاشره في السجن، وقد كان معه شباب من بيت لحم، لكنه كان يقضي أغلب وقته في تلاوة القرآن والاطلاع وإلقاء الدروس التعليمية .

كيف كان يتعامل الشيخ مع الفقراء والمحتاجين الذي كانوا يأتون إليه على الدوام؟

لم يكن الشيخ يردّ أحداً؛ فكل إنسان يأتيه حتى لو كان يعلم أنه ليس محتاجاً فإنه يعطيه، وقد كان يطلب منا أن نقدر عدد أفراد كل عائلة وحالتها، ونعطيها بناء على ذلك.

هل هناك حادثة معينة تذكرها في هذا الإطار؟

كان يساعد طلاب الجامعة، يعطيهم (100) دولار، وحسب المال المتوفر، والفقراء أحياناً نقول لهم: لا يوجد مال، فيقولون: إذا قال لنا الشيخ ذلك فإننا سنقبل، فنخبره بذلك، فيقول: أخرجوني إليهم، فيقول لهم: صدقوا لو معي مال فلن أترككم تعودون دون أن أعطيكم، ويطلب منا أن نسجل أسماءهم.

كيف كان يستقبل أخبار اغتيال القادة؟

كان يحزن لذلك وتشعر بأنه قد تغيّر.

باستشهاد مَن كان تأثّره أكبر؟

لا أعلم بالضبط، لكني بلّغته بخبر استشهاد رياض أبو زيد، وقد شعرت بأنه تغيّر، وكذلك حزن عندما بلغه خبر استشهاد الدكتور صلاح شحادة، وكل الشهداء.

كيف تعامل الشيخ مع التهديدات باغتياله؟

الشيخ أخذ بالأسباب، وأخذ كافة الاحتياطات، لكنه مقعد وبحاجة إلى ثلاثة من الشباب ليساعدوه على التنقل، أحياناً يكون شاب مطارداً، وينجح الاحتلال في الوصول إليه، فما بالك بشيخ مقعد، وقد قدّر الله وما شاء فعل.

كيف تصف لنا الليلة الأخيرة في حياة الشيخ؟

الليلة الأخيرة مغرب ذلك اليوم قالت له زوجتي: يا شيخ، الطائرات موجودة بكثرة!! ألست خائفاً؟! فقال لها ممازحاً: لماذا نخاف ونحن تحت هذا "الإسبست"، الصاروخ لن يصل إلينا، وقال: اسمعي ، اليهود يركضون خلفي يريدون اغتيالي، ونحن ننتظر الشهادة منذ خمسين عاماً وعندما تأتي أهلاً ومرحباً بها.

هل كنتَ معه في مسجد "المجمع الإسلامي" ليلة استشهاده؟

نعم، وقد وضعت له المحلول، وأحضرت له العشاء الساعة الثانية عشرة، وقد كنت سائق سيارته، الشابان الاثنان اللذان كانا معنا سارا معه في الشارع، وهو على كرسيه المتحرك، وتقدما عني عشرين متراً تقريباً، وتبعتهما بالسيارة، وعندما سقط الصاروخ الأول والثاني على الشيخ ومن معه تركت السيارة، وركضت نحوهم، فأُصبت بجروح بالغة عندما سقط الصاروخ الثالث، ولم أكن أستطيع المشي، وقد تحسنت حالتي منذ أربعة أشهر فقط؛ إذ أصبحت قادراً على المشي ولله الحمد.

بعد عامين من استشهاد الشيخ إلى أي درجة تفتقدونه؟

لسنا وحدنا الذين نفتقده، بل كل الشعب الفلسطيني، وخاصة في هذه المرحلة التي تشهد تآمراً من قبل العالم بما فيه الاحتلال وأمريكا على الشعب الفلسطيني والحركة الإسلامية، ونقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكل مؤامراتهم ستبوء بالفشل (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

ما هي اللحظات التي تتذكر من خلالها الشيخ؟

كان أهل البيت ينتظرونه على أحرَّ من الجمر ليجلسوا معه، كنت تشعر أنه إنسان عادي، كان يمازح الجميع، كثير من الشباب تسألْهم عن حالهم، فيقولون: لا نجد أجمل من الأيام التي كنا نقضيها مع الشيخ، كنا نأتي إليه في منتصف الليل ونتناول معط طعام العشاء المكوّن من "البطاطا والبيض" ، لقد كان محبوباً من الجميع.

هل شعرت بأن تبنّيه للقضية أخذه من عائلته؟

كان دائماً مشغولاً، حتى قبل تأسيس "حماس"، فقد كان يذهب إلى مساجد القطاع والضفة، كنت أرافقه فأشعر بالتعب، وبعد تأسيس "حماس" أحياناً كنا نرغب في الحديث معه مثلنا مثل الناس، فنقول له: أهل البيت يريدون الجلوس معك، فيقول: أغلقوا الباب، ونتحدث معه والناس تنتظر، ونمكث معه قليلاً، ثم نترك المجال للناس؛ لأننا لا نستطيع أن نتركهم طويلاً.

هل كانت الزيارات تنقطع عن منزل الشيخ؟

كان ينام قليلاً، بعد العشاء ساعتين، وبعد الفجر مثلهما وبعد الظهر ساعة، وكانت الزيارات تتواصل حتى الساعة الواحدة ليلاً.

هل تشعر بالتقدير من المجتمع كونك ابن الشيخ أحمد ياسين؟

هذا أكيد، فأينما أذهب أجد الاحترام والتقدير؛ لأن من يخلص عمله لله فإن كل الناس ستحبه. كانت الأموال كلها في يد الشيخ، وكان يقطن في منزل متواضع جدا حتى إن مياه المطر كانت تنزل على رأسه أثناء نومه في المنزل، وعندما يُقال له: ابنِ المنزل، يقول: ليس معي ما يكفي، لقد عشت طيلة حياتي فقيراً، وقد بنيت هذا البيت من الدّيْن!! هذا البيت المكون من غرفتين ومطبخ ودورة من "الإسبست" مكثت مدة وأنا أجهزه، فتارة أجهز الأبواب، وتارة الشبابيك، وهكذا، إلى أن استطعت إتمامه، لقد جاءني رجل ذات مرة، وقال لي هذا ديْن يا شيخ، فجاء شقيقه وقال له: لقد استدنت من شقيقي، ويجب أن تستدين مني أيضاً فأخذت منه، وكان يقول: عندما أعيش مثل الناس فإنني أكون مقنعاً أكثر، قلت له ذات مرة: أنت لا تريد أن تبني منزلاً، لكننا نريد أن نبني، فقال لي: ابنِ لكنني لن أساعدك، وقد كان لنا "دونم" من الأرض اشتريناه في السبعينيّات، وقال لي: إذا أردت فإنني أداينك "من مال الحركة" وتدفع كل شهر من راتبك (300) دولار، قلت له: لماذا؟ كل أبناء "حماس" إذا استدانوا من الحركة يدفعون (100) دولار كل شهر، فقال لي: إذا أردت أهلاً وسهلاً، وإلا فابحث عمّن يداينك!! فقبلت، لقد كان يأتي كثير من الناس إليه، ويعطونه المال، ويقولون له: هذا لك، فيرفض ويوزعه على الفقراء والمحتاجين.

ما الشيء الذي كان يغضب الشيخ؟

إذا جاءته النساء إلى البيت في الليل، كان يقول لهن: لا أريد أن تخرج النساء في الليل. كما كان يغضب إذا عامل أحد ما إنساناً معاملة سيئة، وإذا أوكل إلى إنسان مهمة، ولم يؤدها كما يجب. كان الشيخ يتمتع بذاكرة قوية جداً، فإذا طلب منه أحد أمراً فإنه يتذكر ذلك، ولو بعد حين، ولا يؤجل عمله أبداً.

الإسلام اليوم

أضف تعليق