هيئة علماء المسلمين في العراق

سؤال يتيم إلي القمة العربية غداً: هل أمسي العراق شأناً أمريكياً إيرانياً فحسب!- مطاع صفدي
سؤال يتيم إلي القمة العربية غداً: هل أمسي العراق شأناً أمريكياً إيرانياً فحسب!- مطاع صفدي سؤال يتيم إلي القمة العربية غداً: هل أمسي العراق شأناً أمريكياً إيرانياً فحسب!-  مطاع صفدي

سؤال يتيم إلي القمة العربية غداً: هل أمسي العراق شأناً أمريكياً إيرانياً فحسب!- مطاع صفدي

لا يكف بوش عن التبشير بانتصاراته في العراق. وهو في مناسبة دخول الغزو عامه الرابع يطمئن العالم أنه باق، وأن رؤساء قادمين سوف يتابعون تراثه، ويستمرون في مشروع الحرب الدائمة علي الإرهاب بدءاً من بؤرته المركزية في العراق، بحسب التعبيرات العزيزة علي الاعلام الأمريكي الرسمي. قد يكون بوش مقتنعاً حقاً بالنجاح الذي لا يمل من تكراره في خطبه شبه اليومية الأخيرة. ذلك أن (الأمبراطورية) لها مسوغاتها الخاصة. فما تفهمه من النجاح هو القضاء أولاً علي الهدف المصنف معادياً.


علي هذا الأساس قد تم تدمير العراق والقضاء علي أعمدة حضارته المادية والاجتماعية والإنسانية. وتحقق ذلك الهدف الاستراتيجي الذي أعلن عنه وزير خارجية بوش الأب أثناء محاورته التهديدية لطارق عزيز عشية (تحرير الكويت). إنه سيعيد العراق إلي القرون الوسطي. فالتهديد أمسي حرباً مستمرة ابتدأت من إخراج الجيش العراقي من الكويت ومتابعته بالتدمير الشامل لآلياته ولوحداته العسكرية، لتتوقف فجأة قبل المضي نحو بغداد. ويصار إلي تحويل الحرب إلي حصار اقتصادي ودبلوماسي ومالي للشعب العراقي ثلاث عشرة سنة، وصولاً إلي مرحلة استئناف التدمير الشامل بالغزو والاستعمار العسكري والاقتصادي المباشر لكامل العراق، أرضاً ومجتمعاً وثروات ومستقبلاً سياسياً سيكون حافلاً بحروب الملل والنحل فيما بينها، ومفعّلاً التقسيمَ إلي كل مشتقاته وتداعياته التفتيتية إلي ما لا نهاية.

ذلك هو النجاح الأمريكي الحقيقي، وهو المقصود حقاً بمعانيه تلك، كما تحققت علي أرض الواقع ولا تزال. أما أحاديث الديمقراطية وبناء نموذجها الذي سيحتذي في العراق، ليكون المدخل إلي مشروع الشرق الأوسط الجديد، فليست سوي يافطات التسويغ الاعلامي التي لا بد لكل استعمار أن يخترع أقنعته الثقافوية، ويسجل شعاراته البراقة علي أعلامها. لكن تحت تلك اليافظات عمل الإحتلال بكل منهجية دقيقة لكي يتحول إلي مخطط امتلاك دائم لثروات البلد الجريح. وبينما كانت الصراعات الأمنية تتصدر أخبار كل يوم، وينشغل بفظائعها الداخل والخارج معاً كان النهب المنظم لأموال المشاريع العمرانية الزائفة يمارسه لصوص الشركات الكبري الأمريكية، وخاصة منها تلك القريبة دائماً من عائلة بوش التكساسية، ونشاطاتها الاقتصادية المعلومة والمجهولة.

هنالك مبدأ واحد لكل استعمار، ويبلغ أقصي فعاليته في نوع هنا هو الاستعمار الأمبراطوري الذي تتحدي به أمريكا أعظم ما أنتجه كفاح المدنية حتي اليوم حول تثبيته حقوق الإنسان، كأعلي شرعة هادية وناظمة لعلاقات الأفراد، والشعوب والحضارات، فيما بينها. حتي أن الجيش الغازي لا يتورع، وفي ظل هذه الذكري الثالثة البائسة لاجتياحه، عن تفريخ عدوانه المتواصل لغزوات فرعية تشنُ علي مدن كاملة وأرياف شاسعة؛ يدمر بيوتها علي رؤوس أطفالها ونسائها، ويسرق أموالها المتواضعة، ويذل شيوخها، ويقتل أو يعتقل شبابها. إنها طريقته المفضلة في استعراض جبروته، وفي فرض احتفاليته المشؤومة علي الأهالي المذعورين الغاضبين.

ما لم ينجح فيه هذا الغزو الإجرامي المنقطع النظير، هو الفوز باستسلام المقهورين، وليس في تطبيق الديمقراطية الكاذبة، كما قد يتراءي لناقديه، تحديداً في الاعلام العربي. فإن رفض الاستسلام لا يتجلي فقط في صمود المقاومة المسلحة وتناميها المضطرد، ولكن هو في إحباط استراتيجية التقسيم، بالامتناع عن الانخراط في العملية السياسية حسب النموذج المرسوم لها. إذ إن الإصرار علي تشكيل حكومة وحدة وطنية هو السبيل المتبقي لوقف التدهور الشامل مع فرض حكومة الطائفة الواحدة، السائرة حتماً نحو إنتاج أمر واقع (غيتوي)، قد يُثبّت شرعنة خارطةٍ مناطقية، متفاصلة ومتناحرة فيما بينها حتماً. وبذلك ينجح الغزو الخارجي الأجنبي في صيرورته غزواتٍ أهلية محلية تقضي علي كل أمل في استعادة مستقبل وحدوي حضاري للعراق.


تلك هي معركة سياسية فاصلة وذَروية، يخوضها العراق الأصلي الموحد، ضد غزاته وحلفائهم / أعدائهم في الداخل والجوار. فالمخطط التقسيمي لم يعد طائفياً مذهبياً فحسب، بل إقليمياً ومن الجهة الشرقية، حيث يبرز الدور الإيراني سافراً، وفي أوضح ملامحه القوموية التي لم تعد قانعة ومقنّعة بالدواعي المذهبية وحدها. إنه فصل جديد ملحق بحرب الثماني سنوات المقطوعة عن نتائجها المنتظرة بالنسبة للطرف الإيراني، والتي قد تكسب أوراقاً هامة في المساومة الخطرة المفتوحة علي واشنطن حول الموضوع النووي. فليس مستبعداً أن ينتقل الصراع الدائم والتقليدي ما بين أمريكا وإيران منذ انقلاب الخميني، من صيغة العداوة المطلقة إلي صيغة الشراكة الواقعية في أمور معينة تهم الطرفين. والعراق اليوم هو الضحية المتميزة والوليمة الغنية المستباحة. ولقد نجحت مقدمات كثيرة من التعاون (الموضوعي) بدءاً من تلك الصفقة الكبري التي حيدت جماهير الجنوب العراقي ووسطه تجاه زحف الجيوش الأمريكية، وكان يمكن لها أن تشكل سداً منيعاً قد يحبط الغزو أو علي الأقل يطيل من أمد الاجتياح، ويمنع من سقوط العاصمة بغداد بتلك السرعة المذهلة. ثم جري التحييد الثاني لجماهير الشيعة في منعها من المشاركة في المقاومة، بصورة عامة، بالرغم من مشاركات فردية كثيرة انضمت دائماً إلي الفصائل المقاتلة. كل ذلك ولا شك قد أثار الشهية الإيرانية لاستعادة نفوذها اليومي والمذهبي الكاسح. فالغزو الأمريكي العسكري صاحبه اجتياح مدني ومذهبي إيراني تلاقت أهدافه العاجلة والمؤجلة مع صميم المخطط البوشي، حول القضاء علي روابط الوحدة الأهلية الجامعة تاريخياً بين مكونات المجتمع العراقي، والمتفرعة في جوهرها عن وحدة الانتماء العربي. وهي التي ميزت دائماً شخصية العراق الحضارية وجعلته يلعب أدواره الرائدة في مختلف القضايا القومية الشاملة وأصعبها.

إن القضاء علي هذه الشخصية وطمس معالمها المميزة، وإبطال أدوارها بالنسبة لذاتها ولعالمها العربي من حولها، يشكل بؤرة التلاقي (الموضوعي) بين اعداء الامس واليوم. فكان أن تواصل السياق الاستراتيجي المتكامل من حرب الأعوام الثمانية بين الجارين اللدودين العراق وإيران، إلي الغزو والاحتلال الأمريكي الراهن. فما لم تستطع الحرب الأولي أن تحققه إيرانياً، استأنفه الاجتياح الأمريكي فيما بعد، حتي تكاملت ملامح المشهد المأساوي، عندما أمسي الناتج (الضروري) لتلكما الحربين هو تقسيم الدولة والوطن وشرذمة الشعب، وإشعال فتن الملل والنحل بين مكوناته.

غير أن هذا المصير الذي انتهي إليه العراق حالياً لن يريح شركاء الأمر الواقع. وهو مثار القلق واضطراب الحلول لدي الطرفين. ما يدفعهما إلي الاستنجاد ببعضهما حتي لو كلف التلاقي المعلن بينهما الكثير من أسئلة التعجب والاستنكار والاستهجان من قبل الرأي العام في المنطقة، كما في عقر دار كل منهما. فأمريكا وإيران فاعلان رئيسيان اليوم في الشأن العراقي. وقد يحتاجان إلي المزيد من المصالح بينهما والتعاون المكشوف في تثبيت كيان سياسي ما مقبول من معظم التيارات. وهنا تبرز المعضلة الأصعب. ذلك أن كل استقرار سياسي، نسبي دائماً، ويكون ناجماً عن توافق الأغراب، الذي هو في ذاته ليس مضموناً كفاية أيضاً، لا بد له من توفير شروط الأمن العام، وهذه بدورها قد خرجت عن دائرة السيطرة لكل منهما. وتبقي القوي الوطنية الأخري، التي هي موضوع التآمر عليها دائماً، سواء من قبل الغازي الأجنبي أو الجار الدخيل، هي صاحبة الكلمة الأخيرة الممسكة بمفاتيح الاستقرار السياسي من مدخله الأمني الحاسم.

هذه الحقيقة البسيطة هي التي حرمت الغزو الأمريكي حتي الآن من قطفه لأية انتصارات معنوية تغطي قليلاً مجازره وفضائحه الأخلاقية التي تضج بها حتي صحافته المحلية. وهذه الحقيقة هي التي كذلك تعري التدخل الإيراني، المذهبي وشبه العنصري القوموي، من أي قناع سياسي حيادي، أو معارض فعلاً للغزو الأجنبي، أو مدع للحفاظ علي استقلال العراق وتحرره من الاحتلال، والتدمير المبرمج لمكوناته الإنسانية والمادية والحضارية.

والآن يفرض هذا السؤال نفسه: هل أمسي العراق شأناً أمريكياً إيرانياً فحسب. أين هم هؤلاء العرب الذين استسلم قادتهم بالأمس للغزو ثم للاحتلال المستديم، ثم للغزو المذهبي من الجار (الحليف) للقضايا العربية والاسلامية، هل ينتظرون تعميم المذهبيات في معظم أقطارهم.

إنه سؤال برسم قمة الخرطوم. هل هي مؤهلة للإتيان بجواب ما يأخذ طريقه إلي تحقيق ما يشبه معجزة انفجار الينابيع في بلقع الصحاري..



القدس العربي

أضف تعليق