تحت عنوان «الانسحاب الأمريكي من العراق هو الخيار الواقعي» كتب زبيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، منتقداً بقوة «استراتيجية النصر أو الهزيمة» التي يعتمدها الرئيس
بوش في العراق، التي تتجسد بقوله «لقد أصبحت بلادنا أمام خيارين لا ثالث لهما في العراق: النصر أو الهزيمة» وهو نفس الموقف الذي تشبث به غداة الذكرى الثالثة للاحتلال، فمن وجهة نظر بريجينسكي، أن هذا الخيار الاستراتيجي خيار خاطىء ومضلل إلى حد بعيد، وهو شاهد على سياسة الهروب إلى الأمام التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق والتي أوصلت البلد إلى أوار الحرب الأهلية وليس على شفا الحرب الأهلية كما يكتب بعض المحللين، وأوصلت سمعة أمريكا إلى الحضيض كما يقول بريجينسكي، ولذلك فالمطلوب من وجهة نظره، الكف عن المقارنة بين الهزيمة في العراق والهزيمة في فيتنام، واعتماد الخيار الواقعي والعملي «ثابر دون أن تفوز... وتوقف دون أن تخسر» فالمطلوب هو التوقف قبل الخسارة، فقد فشلت الإدارة الأمريكية في سحق المقاومة والتمرد العراقي، ولم تنجح في إقامة جنة الديمقراطية الموعودة التي لها طابع سحري، والتي انطلت على الكثيرين، ولكنها أوصلت البلد إلى أوار الحرب الأهلية... فماذا بعد؟.
هذه الـ«ماذا بعد» تثير ضجة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، فمع رفع شعار الحرب على الإرهاب الذي أدى إلى احتلال أفغانستان ومن ثم العراق، نشأ سجال قوي بين المثقفين الأمريكيين، كانت نتيجته وقوف عدد من المثقفين والأكاديميين الأمريكيين، كما جاء في البيان الستيني الذي أصدره ستون مثقفا يؤيدون فيه الحرب على الإرهاب، تحت حجج دينية وأخرى واهية تندرج في إطار الحرب الاستباقية، والمفاجأة كانت صدور بيان آخر يضم ما يقارب الألف مثقف وأكاديمي ومخرجين سينمائيين وممثلين، يقول «الحرب ليست باسمنا» ويرفض مبدأ الحرب بالذات.
في موازاة ذلك، كان التيار الذي يمثله المحافظون الجدد الذي يتصور أمريكا على هيئة فارس يمتطي صهوة جواده لينشر رسالة أمريكا الخالدة إلى العالم، المحاطة بهالة سحرية ديمقراطية، قد تغلب على التيار المحافظ التقليدي الذي يرى أن أمريكا أفعى متكورة على نفسها وليست حصانا، فهي تستطيع الدفاع عن حدودها في وجه كل المعتدين دون أن تمتطي صهوة حصانها على طريقة الجندي الروماني القديم، ولكن مزيدا من الأخطاء الأمريكية القاتلة في العراق، حيث تتحفظ أمريكا على عدد قتلاها وأعداد الذين شوهتهم العمليات العسكرية هناك، كذلك انقسامات المحافظين الجدد على أنفسهم، وأشير هنا إلى خروج المفكر الأمريكي فرنسيس فوكاياما عن مسار النخبة التي تقود أمريكا، الذي رفض مقولة الحرب على الإرهاب، معتبرا الإرهاب ليس أكثر من رد فعل تقوم به «حامية الأصولية» والتي سيكتسحها مد التحديث عاجلا أم آجلا، وما الحرب على الإرهاب إلا تكلفا وتدليسا سعت الولايات المتحدة الأمريكية إليه على الرغم من حوزتها على خيارات أخرى.
هذا ما كتبه فوكوياما في كتابه اللاحق «نهاية الإنسان، 2001»، والذي يعد الآن لكتاب يصدر في أمريكا تحت عنوان «أمريكا على مفترق طرق» وهو عنوان دال يشي بحدة الرؤى والاختلافات داخل الإدارة الأمريكية وخارجها. فمن وجهة نظر التيار الجديد الذي يضم بدوره قوى محافظة دينية وتقليدية بآن، يطلق عليه البعض «المحافظون غير الجدد» تمييزا لهم عن تيارالمحافظين الجدد، الذي شغل العالم بحروبه الاستباقية وعزمه على تغيير العالم لغاية في نفس يعقوب، كما يدل على ذلك «مشروع الشرق الأوسط الكبير» أن تراكم الأخطاء الأمريكية في الشرق الأوسط والذي جلب لها مزيدا من الأعداء، من شأنه فعلا كما يقول بريجينسكي أن ينزل بسمعة أمريكا إلى الحضيض وهذا ما حصل، أضف إلى ذلك أن فشل المشروع الأمريكي في العراق، قد قدم «للمحافظين غير الجدد» كل الأدلة والوسائل لدحض سياسة الهروب إلى الأمام، والاستيلاء كما يرى خبير في الشأن الأمريكي، على مراكز الأبحاث ومعاهد الدراسات الاستراتيجية التي ترصد عن حق فشل أمريكاعلى أرض الواقع العراقي كما يشهد على ذلك انتوني كوردسمان التي رفض من خلالها توصيف المقاومة العراقية بأنها زرقاوية نسبة إلى أبي مصعب الزرقاوي، الذي لا يشكل كما يذهب كوردسمان أكثر من 3%من حجم المقاومة المتزايدة للمشروع الأمريكي الفاشل في العراق، وحيث يراهن البعض على أن الولايات المتحدة الأمريكية تسير من فشل إلى فشل، ولن تنجح في بناء دولة في العراق.
إن السير من فشل إلى آخر، يقلق الكثيرين في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحكم على تلك الصورة المثالية لأمريكا التي يجعل منها التيار المحافظ التقليدي «مدينة على جبل» كما جاء في العهد القديم التوراتي. هو ما يدفع بالكثيرين، ومنهم بريجنسكي، كذلك فوكوياما إلى رفع شعار «توقف دون أن تخسر» بدل المضي بسياسة النصر أو الهزيمة التي يعتمدها الرئيس بوش.
والآن بعد ثلاثة أعوام من الفشل الأمريكي في العراق، يظل السؤال المقلق هو: كيف السبيل إلى وقف الخسائر، الخسائر البشرية الأمريكية في صفوف المقاتلين حيث تتحدث بعض الصحف «الاندبندت البريطانية» عن خسائر مهولة في صفوف القوات الأمريكية، كذلك الخسائر المادية، حيث طالبت المظاهرات التي خرجت في نيو أورليانز بمناسبة الذكرى الثالثة لغزو العراق بتوظيف هذه الأموال التي ترهق دافع الضرائب الأمريكية، في الولاية التي دمرها إعصار كاترينا. على أن الأهم كيف يمكن وقف اندفاعة المحافظين الجدد إلى مزيد من الحروب، وهل يمكن لتيار ما بعد المحافظين أو من يسمون بـ«المحافظين غير الجدد» أن ينجح في هزيمة التيار السابق، وبالتالي يوفر انسحابا للقوات الأمريكية من العراق، مع سعي حثيث لإعادة الهيبة لأمريكا التي وصلت سمعتها إلى الحضيض كما يعترف بريجنسكي؟.
هل سينجح تيار المحافظين غير الجدد في وضع حد للفشل الأمريكي في العراق تركي علي الربيعو
