هيئة علماء المسلمين في العراق

هل أصبح أمن العراق أمناً أمريكياً؟ مسعود ضاهر
هل أصبح أمن العراق أمناً أمريكياً؟ مسعود ضاهر هل أصبح أمن العراق أمناً أمريكياً؟ مسعود ضاهر

هل أصبح أمن العراق أمناً أمريكياً؟ مسعود ضاهر

مع حلول الذكرى الثالثة للاحتلال الأمريكي للعراق امتلأت الصحف العربية والعالمية بآلاف المقالات التي تندد بالعولمة القسرية التي لجأت إليها الولايات المتحدة لفرض نظام عالمي جديد بقيادة وحيدة الجانب، وإحلال “السلام الأمريكي” على العالم، وبالقوة المسلحة. تشير عناوين المقالات التي نشرت في هذه المناسبة إلى عمق الأزمة التي خلفها الغزو الأمريكي ليس على العراق فحسب بل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وعلى مستقبل العالم بأسره.
 
  أمريكياً، يندرج الموقف من حرب العراق ضمن تيارين كبيرين:
 
  الأول: ويمثله الرئيس بوش وأركان حربه، وبشكل خاص وزير دفاعه رامسفيلد، إذ ورغم كل الفشل الذي لحق بمشروعه العراقي فإن بوش ما زال متفائلا بتحقيق النصر الكامل، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وقيام نظام عراقي يشكل مثالا يحتذى لدول الجوار. والأكثر غرابة أن تصريحات رامسفيلد تؤكد أن انسحاب أمريكا من العراق سيكون شبيها بتسليم ألمانيا للنازيين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكنه لم يسأل نفسه وإدارته عمن كان وراء السياسة الرعناء التي مهدت الطريق لولادة من سماهم “النازيين الجدد” في العراق، وذلك رغم وجود مئات آلاف الجنود الأمريكيين وحلفائهم المرابطين على أرض العراق. ومع تصاعد الجدل الدائر في الولايات المتحدة حول الوضع الكارثي في العراق، وتحميل رامسفيلد جزءاً كبيراً من المسؤولية، إذا به يبشر الأمريكيين بأن عليهم الاستعداد لصراع طويل، وحروب صعبة على أمريكا الخروج منها منتصرة وإلا فستنتقل معركة الإرهاب إلى داخلها.
 
  الثاني، ويضم القوى الديمقراطية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وأبرز ما صدر عنه مقالة للمستشار الأمريكي السابق بريجنسكي بعنوان: “نصر بوش استعمار، وكلام وزير الدفاع جنون”.
 
  ولعل المقالة الأهم ضد مشروع بوش هي التي نشرها ويليام بوكلي في أهم مجلة للمحافظين وهي “ناشيونال ريفيو”، قال فيها: “ليس من شك في أن سياسة أمريكا فشلت في العراق، وعلى أصحاب المشروع الاعتراف بفشلهم. وإذا كان معسكر الحرب يرفض الاعتراف بالهزيمة، فإنه بذلك سيقود البلاد إلى أزمة كبيرة، فعندما ينهار المشروع في الخارج، لا يستطيع المركز الصمود أو الاستمرار في المعاندة. لكن عصبة المحافظين الجدد في نظام بوش مستمرون في تحدي الرأي العام الأمريكي، وذلك بالاندفاع إلى الأمام وتشجيع الحرب ضد إيران، وتوتير الأجواء مع روسيا”.
 
  هكذا، وبعد بعد ثلاث سنوات على الغزو يعيش العراق ظروفا صعبة للغاية: حكومة مؤجلة، وواشنطن تستعين بإيران للخروج من المأزق، ورامسفيلد يحضّر لحرب أهلية يحاول التبرؤ سلفا من نتائجها المدمرة. وكل الدلائل تشير إلى أن لبننة العراق كانت بمثابة التحضير لتلك الحرب بهدف إخفاء كل أكاذيب الإدارة الأمريكية لتبرير غزو العراق وفي طليعتها أسلحة الدمار الشامل. وتبخرت وعود الديمقراطية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وحلت مكانها خطط جاهزة لبناء شرق أوسط كبير تقع “إسرائيل” في منزلة القلب منه.
 
  وفي الوقت الذي ترفض فيه الإدارة الأمريكية الإقرار بالوقائع الدامغة حول فشلها في تحقيق أهداف الغزو المعلنة، فإن إستراتيجيتها المركزية في تحويل العراق إلى مركز مهم للتأثير في منطقة الشرق الأوسط، والهيمنة على منابع النفط لفرض تبدلات جذرية في النظام العالمي الجديد لم تتبدل بصورة جذرية قبل غزو العراق وبعده. وقد أدركت القوى الديمقراطية في العالم كله أن الإدارة الأمريكية قد لا تغير تلك الاستراتيجية، حتى لو تكبدت المزيد من الخسائر البشرية.
 
  وهي تحاول إيهام الرأي العام الديمقراطي، الأمريكي والعالمي، بأنها تعمل على تقليص حجم قواتها في العراق من طريق إبدال بضعة آلاف من الجنود الأمريكيين بأضعاف أمثالهم من الجنود العراقيين لتشكل منهم دروعا بشرية توضع في الصفوف الأولى ضد من تسميهم “قوى الإرهاب”.
 
  إن العراق في ظل الاحتلال الأمريكي بات أسير المخططات الأمريكية التي تتضمن إشعال الفتن الطائفية والتفتيت العرقي والمذهبي بحيث تنهار قدرات العراقيين الذاتية، وتستنفد ثرواته وموارده الطبيعية. وهي مخططات جدية تمهد الطريق لعودة الاستعمار الجديد إلى منطقة الخليج العربي بما يسهل تنفيذ الأطماع التاريخية للعدو الصهيوني في إقامة “إسرائيل” الكبرى بين الفرات والنيل.
 
  لذلك يتحمل قادة العراق المسؤولية الأساسية في مواجهة ما يتهدد وطنهم من مخاطر فتن مذهبية وحروب أهلية تقضي على كل مكونات الوحدة الوطنية. فوحدة العراق أمام امتحان عسير بعد تبلور المشروع التفكيكي لتحويل العراق إلى دويلات طائفية وعرقية متنازعة ومتحاربة في ما بينها، وتأتمر جميعها بالقرار الأمريكي. كما أن الدول والجماهير العربية أمام مرحلة مصيرية من تاريخ العرب المعاصر، وهي مطالبة بالحد الأقصى من التضامن مع شعب العراق وقواه الوطنية.
 
  واللافت للنظر أن الرأي العام الديمقراطي في العالم كله، بما فيه الرأي العام داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، قد استنكر بشدة غزو العراق وقام بتظاهرات كبيرة تدين الاحتلال وكل أساليبه وتطالب برحيل قواته، ودعم العراقيين من أجل النهوض بوطنهم الموحد دون تدخلات أجنبية. ورفعت شعارات معبرة منها: “لا لحرب النفط”، و”أوقفوا الحرب في العراق”، و”لا لحرب بربرية تدار باسمنا”. وبمناسبة الذكرى الثالثة لحرب العراق، أكد إستطلاع للرأي العام الأمريكي أظهر أن 68% من الأمريكيين مستاؤون من سياسة بوش في العراق، وأن واحدا من كل ثلاثة أمريكيين يتخوف جدا من إندلاع حرب أهلية في العراق.
 
  العالم كله يتظاهر ضد أمريكا وحلفائها مطالباً بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال في العراق. ومبعوث الأمم المتحدة يحذر من حروب طائفية، ومن بوادر حرب أهلية. وتبقى الأنظار متجهة إلى قادة العراق الجدد للعمل على تجاوز الانقسامات الداخلية، ومنع اندلاع حرب أهلية.
 

الدار العراقية

أضف تعليق