من نعم الاحتلال علينا، التي لا يمكن انكارها، ادخال عاملي التسريع الزمني والكفاءة لانجاز افعال كنا قد عشنا في ظل بعضها تحت النظام السابق. ولا اعني بذلك تحسين خدمات الماء والكهرباء والدواء وتصريف المجاري والبناء وتبليط الطرق وتأهيل المدارس بل الاغتيالات والقتل المنظم وقصف المدن والاعتقالات واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا وانعدام الامان وتحويل كل مكان مهجور في عاصمتنا خاصة الي ساحة لرمي الجثث بعد تعذيب الضحايا.
بعض هذه الافعال والجرائم، كما نعلم جميعا، كان متوفرا برعاية النظام السابق، ذاقها ابناء الشعب جميعا، وفي حقبات زمنية مختلفة امتدت علي مدي عقود حكمه . ثم جاء الاحتلال أو ما يسمي بالتحرير. ليجلب معه كفاءات وتقنيات مطعمة بمساعدة وخبرة العراقيين المستخدمين من قبله. فأخذت الادارة الجديدة علي عاتقها منافسة النظام السابق في افعاله وجرائمه حتي بات المواطن العراقي مذهولا لهول ما يتعرض له يوميا وعاجزا عن استيعاب معني الديمقراطية التي تبذل له لفظيا بالاطنان، واختلافها عن الدكتاتورية والنظام القمعي. وبدأت منذ اليوم الاول للاحتلال مسابقة ماراثونية تميزت بعاملي السرعة وروح المنافسة في انتاج الملامح الجديدة للاحتلال، مسابقة تشبه تقديم وجبات الاكل السريعة والمربحة في مطاعم ماكونالدز.
يتميز السباق في العراق المحتل بانه يتم في ثلاثة مجالات رئيسية. اولا سباق القتل. حيث تبني حكم الاحتلال قتل اكبر عدد من الناس وبمختلف الطرق من اجل ترويعهم وارهابهم وبالتالي تسهيل السيطرة عليهم. وعند المحاججة بلاعدالة ما يجري، يأتيك الجواب سريعا: ألم يقم النظام السابق بإرهاب الناس وترويعهم؟ لذلك، صار طبيعيا، ان يتسابق علاوي بعد تعيينه رئيسا مؤقتا للوزراء مع الجعفري الذي تولي المنصب من بعده مع قوات الاحتلال نفسها، لتكون الحصيلة قصف وحصار وتهديم النجف والفلوجة وسامراء وحديثة والقائم وتلعفر وبغداد.
المجال الثاني للسباق تم في ظل قصف المدن و تهديم المساجد وقتل الابرياء، حيث كانت عملية نهب اموال الشعب العامة تجري بكفاءة وسرعة لامثيل لها. مليارات الدولارات اختفت أما نقدا أو بشكل عقود وخدمات وهمية فضلا عن ضخ النفط العراقي بلا مقياس ليحرموا الناس من شريان الحياة الاقتصادية ومصدر عيشهم.
المجال الثالث للسباق هو تقديم عدد من الشخصيات وطرحها في سوق المزايدة السياسية لاستشفاف من هو الاصلح بين المعروض ليمثل سياسة الاحتلال من جهة وينثر النكهة المحلية من جهة ثانية. ولعل قراءة شخصية القوي الامين للدكتور الجعفري، ومن خلال خطبه وتصريحاته، ستساعدنا علي فهم طبيعة التحولات التي يمر بها المرشح ليتلائم مع طبيعة العمل المعروض، وتزداد التغيرات والتحولات عمقا حالما يستلم السلطة. فيصبح للحاكم الجديد مصطلحاته ومفرداته التي يحاول فرضها لفظا او تطبيقا علي الناس. وهل نستطيع ان ننسي مفردات النظام السابق التي كانت تزخ علينا كالمطر، من بينها: العلوج، القائد الضرورة، حفظه الله، القائد المجاهد، رعاه الله، غربان الشر، واثق من حبه لشعبه، وبيعة القائد. أما مفردات الحكم الجديد، فمن بينها: رجل المرحلة. قدس سره، النزاهة، المصداقية، لجان التحقيق المستقلة، حفظ ظله، الارهاب، الزرقاوي واذا صح التعبير.
وقد انتبهت اثناء تجميعي لبعض المفردات والمصطلحات الدالة علي تحولات النمط الفكري لحكام العراق، في العهدين الماضي والحالي، بانهم ومهما كان اتجاههم السياسي وخلفيتهم الثقافية، ما ان يصلوا مرحلة معينة من تسلق درج الحكم حتي يتصرفون وكأنهم بلغوا مرحلة القوة المطلقة المنعكسة، سلوكيا، في التصريحات الدالة علي المعرفة الكلية. فينسون وجود الاختصاص الوظيفي والمعرفي وخبرات الاخرين، ليصبحوا بين ليلة وضحاها ملمين وعارفين بكل الشؤون من علمية وثقافية وفنية الي التقنية وعلي اختلاف مستوياتها. هنا، ساقدم نماذج من تصريحات بعض الحكام . ولن اكشف عن الاسماء بل اترك لمتابعي الشأن العراقي التعرف علي هوية المتحدث في كل حالة.
قال الحاكم مخاطبا نخبة من فناني المسرح والسينما: ان الفنان لا يستوحي إمكاناته الفنية من أكاديمية بل يستوحي ذلك من معاناته حيث تتحرك فيه مكامن القوة الإنسانية، لذا فأن علي الفنانين ان يكرسوا قدراتهم وكفاءاتهم وملكاتهم لحماية البلد والذود عنه، ونحن لا نريد للفنان ان يتسيس ولا للمسرحي ان يتمذهب، بل نريد ان ينطلق الفنان ويشعر من خلال واقع المعاناة اليومية للعراقيين... أننا لسنا مع المدرسة التي تقول ان الفن للفن وانما مع المبدأ الذي يؤكد ان الفن للحياة ولكل شيء فيها، وعليكم ان تنطلقوا من وحي حركتكم ومعاناتكم داخل الساحة الشعبية العراقية، لذا أتعشم في جيلكم الذي يمتلك ذخيرة غنية وكبيرة بأن يتفاعل مع الواقع ... انّ علي الفنان ان يمثل دور الرافض الواعي، الرافض للارهاب ولكل الثقافات الدخيلة علي قيم شعبنا، وان يتعلم من الشعب وإصراره علي مواصلة الطريق رغم المعاناة، عليكم ان تتحركوا كجزء من حركة الشعب، أبدعوا في عصر المعاناة وساهموا في تجاوزها، لأن أعداء العراق يريدون للواقع العراقي ان يعيش حالة التمزق... إنني لا أستطيع ان أتصور ان فناناً يضع وسادته وينام وجاره قد فقد أطفاله او أطفال جاره قد فقدوا والدهم، لأن لا قيمة للفن اذا لم ينطلق من الإنسان ويستهدف الإنسان ويخدم الإنسان وقضيته، علي الفنان ان يحول الحياة الي مدرسة يأخذ منها ويسري فيها .
قال الحاكم مخاطبا رؤساء وأعضاء مجالس المحافظات: ان حاجة المحافظات الي الأعمار حاجة موضوعية وواقعية لأن هناك خصوصيات ومشتركات للمحافظات في ما بينها... ووجوب ان يكون عمل المجالس واحداً مع تبادل الخبرات والتعاطي مع الوزارات ومؤسسات الدولة واطلاع المواطن علي كل الحقائق... أن مجلس المحافظة هو إفراز طبيعي من رحم شعب المحافظة وهو الوجه المعبر عن وجهة هذا الشعب، ولأن العراق يعيش هذه التجربة لأول مرة فمن واجبنا ان نحافظ عليها،برغم ان التركة التي ننوء بها ثقيلة لكن أمامكم مهمات كبيرة جداً وبإرادتكم سيتحقق الشيء الكثير لأننا نريد عراق الكفاءة لا عراق الشخص... وعليكم ان تفكروا بعمرالعراق كله لا بعمر المحافظة او مجلسها .
قال الحاكم في تصريح صحافي: اننا لن نسمح لأحد بان يمرر ما يريده عبر الضغوط او التدخل المباشر لأننا لا نتحرك بردود فعل وانما العراق يصنع قراره بنفسه بقرار عراقي وبآلية عراقية وبرؤية عراقية دون تدخل اية دولة. وانه لا مجال في حياتي للتنازل للاخرين، ولم اكن يوما من الأيام مشتريا للموقع .
وقال الحاكم مخاطبا عدد من العاملين في المجالات العلمية: ان الزمن الاضافي لايمكن خلقه الا اذا تحكمنا بنوع الخطوة في الزمن. .. ان العلاقة بين الايمان الروحي والمعاني الاعتبارية وبين العلم وخطواته العملية ما لم تضبط علي محاورها الصحيحة وتضبط موازنتها لايمكن ان يحقق اهدافها فلا العلم منفصل عن المعاني الاعتبارية والروحية التي يمتلكها صاحب العلم ولاصاحب الاعتبارات الروحية قادر علي تحقيق اهدافه مالم تكن مستندة علي حقائق وحسابات علمية. اذا يجب ان نحرص دائما علي ان يمتلك اصحاب العلم او ان يتمتعوا بروح عالية بحب الوطن والشعب والايمان العميق والدائم بالاهداف الكبيرة والا فان العلم يتحول بعد حين الي محض وسيلة للتقنية التي يمكن ان تكون بيد اناس لا يحققون الاهداف الكبيرة للشعب ولذلك احرصوا دائما علي تحقيق هذه الموازنة .
قال الحاكم مخاطبا جهاز الاعلام: الرأي العام بالنسبة لي شيء مهم جدا لانه المادة التي استفيد منها، وان لم اكن التقي رؤساء تحرير الصحف الا ان لدي نصيبا في الرأي العام، اذ اقرأ بما يتاح لي من وقت مختلف وسائل الاعلام، لكن لا ابحث فيها عن كلمات مدح بقدر ما ابحث عن الكلمة وابحث عن الاعلامي الذي يستطيع ان يصل الي العمق ويستخرج منه الحقائق كما هي التي قد تستعصي علي كثير من السياسيين ممن يهمهم الأمر، كما ابحث عن الاعلامي الذي ينقلني الي عمق الاحداث ليجعلني في حالة تعامل مباشر معها، في الوقت الذي لا يهمني فيه رصيدي عند الاعلامي بقدر ما يهمني رصيده عندي علي ضوء الوصول الي الحقيقة.
ان لكل منا من موقع اختصاصه اخطاء، وعندما بدأ لم يكن بالتأكيد بداية الصواب وعندما ينتهي سوف لن تكون نهاية الصواب، لأن هناك اخطاء في الماضي وهو لديه اخطاء الان ومن يأتي من بعده ستكون لديه اخطاء، لا مشكلة في هذه الاخطاء انما المهم هو ماذا قدم كل منا في مرحلة التصدي، يجب محاسبة السياسي عما قدمه، وكذلك القضاء، كما يجب محاسبة الاعلام ومقارنته باعلام الدول الاخري الذي فعل الكثير وتصرف بطريقة تمكن من خلالها من التصدي للحروب واستطاع ان يعالج نتائج حروب، وهناك أدلة كثيرة علي ذلك .
تدل هذه التصريحات علي مدي شعور الحاكم باهميته المتزايدة وثقته المتناهية بقوته ووصوله او اقترابه من حالة الاستحواذ علي السلطة المطلقة، وهي عملية تؤدي في النهاية، كما شاهدنا في ظل النظام السابق، ونشاهد في ظلال النظام الحالي، الي الغاء القانون لأن الحاكم يري في نفسه مصدرا لكل القوانين وتطبيقاتها. كما تؤدي العملية، وهنا الفجيعة الكبري، الي الغاء الحاجة الي وجود الاخرين، مما يسهل علي الحاكم التخلص من الاخرين في مراحل تالية.
قراءة في تحولات حاكم صغير... هيفاء زنكنة
