إن المسجد هو قلب هذه الامة النابض، وروحها المؤمنة، وعقلها الكبير الكيس الفطن، يولد في رحابة الخير والصلاح ، ويحفظ الطهر، ويصون الأمانة، ويهدم الباطل، ويزلزل الطواغيت واقزام البغي والطغيان ويدعو للصبر على الهوان والمحن والفتن، ويفضح ليل الجهلة ويمزق الخرافة ويربي على الخشوع واليقين والشهادة، وجمال التواضع، وادب التعبير، وطول الاناة، وعمق التأمل ويعبئ المشاعر واثارة العواطف واثراء الاحاسيس، ونسيم رخاء المؤمنين، حتى تخرج منه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا قادة الفكر ودعاة الحق الى اسلام الفطرة الانسانية، والعقل السليم، والحياة الواقعية الشاملة.
((في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقامة الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار)).
فهو يمثل الميلاد الاول والعهد الدافئ للعقل والروح، ورافداً ومنبعاً للفكر والحضارة والمجد، ومنبراً للعلماء والفقهاء، ودعوة للوحدة والالفة، واواصر المحبة، والتكافل الاجتماعي بالمساواة بادق صورها الحية وتبرزها في صعيد عملي واضح، بالعبادة والطاعة والاخلاق العالية والعمل الصالح، والتغلب على معاني الاثرة والتعالي والانانية واضعاف الروح الشتات والفرقة والشهوات والاهواء.
عن ابي سعيد (رضي الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (اذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان) رواه احمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم.
وهكذا نظر المسلمون الاوائل إلى المسجد، فكان اول مؤسسة انشأها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في تنظيمات المجتمع الجديد بعد الهجرة، لبناء الحياة الاسلامية المطهرة على اسس التقوى ومعاني الاسلام الحية، لا فيها عوجاً ولا امتاً، ما لم يعرف التاريخ له مثيلاً في أي عمل تربوي. (لا تقم فيه ابداً المسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين).
ولذلك ذكر الاسلام فضائل بناء المساجد وتعميرها. عن عثمان ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (من بنى مسجداً يبتغي وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة).
وهذا ما فعله عمرو عثمان (رضي الله عنهما) من اعادة بناء مسجده (صلى الله عليه وسلم) اذ ان في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى، وليس فيها وصف يخل بالحكمة التي من اجلها شرع بناء المساجد.
وحين امر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ببناء المسجد قال: (اكن الناس من المطر، واياك ان تحمر او تصفر، فتفتن الناس).
وسنّ الدعاء حين التوجه الى المسجد، وعند دخولها وعند الخروج منها، وفضل السعي اليها والجلوس فيها.
عن ابي هريرة (رضي الله عنه) ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (من غدا الى المسجد او راح اعد الله له الجنة نزلاً كلما غدا او راح).
عن ابي الدرداء رضي الله عنه ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (المسجد بيت كل تقي وتكفل الله بمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط الى رضوان الله: الى الجنة) رواه الطبراني والبزار بسند صحيح. وامر الشرع بصيانة مساجد الله تعالى، واخذ الزينة والتجميل عندها.
قال تعالى: ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)).
الا ان اعداء الاسلام في تأريخهم الطويل وقفوا بوجه الاسلام الشامخ بعقيدته الصلبة ومنهجه المستقيم الواضح عن طريق السلام والحرب والعنف او عن طريق الغزو الفكري والثقافي والعقائدي، بنشر الافكار المضادة للاسلام واثارة الشبهات الاباطيل حوله. ((يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)).
((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).
ولذا تعرضت مساجد الله لهجوم عنيف من الاتهام والتشكيك؛ لصرف الناس عنها وتجميد دورها وهدفها وروافدها، فكانوا اظلم الناس في اعمالهم الشنيعة هذه. قال تعالى: ((ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها اولئك ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين. لهم في الدنيا خزي، ولهم في الاخرة عذاب عظيم)). أي لا أحد اظلم واشد جرماً ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها وهدمها وازالة بنيانها او بتعطيلها عن العبادات والطاعات، اولئك ما كان لهم دخول المساجد الا خائفين من الله تعالى لمكانها وشرفها وكرامتها او خائفين من المؤمنين ان يبطشوا بهم فلهم خزي وذل وصغار هائل فظيع لا يكاد يوصف لهوله في الدنيا، ولهم في الاخرة عذاب عظيم.
وهؤلاء المشركون لم يعمروا بيوت الله، لكون حالهم الكفر، وافعالهم الباطلة ونهايتهم الاليمة، وانما عمارة المساجد هي من شأن المؤمنين بالله والقائمين بفرائضه وهم اهل لذلك.
قال تعالى: ((ما كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله شاهدين على انفسهم بالكفر، اولئك حبطت اعمالهم وفي النار هم خالدون، انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر واقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخش الا الله، فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين)).
اذ (ان بيوت الله خالصة لله لا يذكر فيها الا اسمه، ولا يدعى معه فيها احد غيره فكيف يعمرها من لا يعمر التوحيد قلوبهم ومن يدعون مع الله شركاء، ومن يشهدون على انفسهم بالكفر، شهادة الواقع الذي لا يملكون انكاره ولا يسعهم الا اقراره).
((وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احداً)).
اولئك لا يريدون ان تكون المساجد لله بل لشركائهم، ليتخذوها ضراراً بين المؤمنين وحرباً على الله ورسوله.
قال تعالى: ((والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وارصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن انا اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون)).
وقد خيب الله مساعيهم وابطل كيدهم، ولحقهم الخزي والعار والفضيحة في محاربة دين الله ومساجده، فكانت وصمة عار عليهم يندى لها الجبين القتهم في مزابل التاريخ ((فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)).
وهكذا يكون حال كل من اتصف بوصفهم من احفاد ابي رغال وابرهة الحبشي الذين يتقربون الى اسيادهم وشياطينهم بالاعتداء على مساجد الله بالتحريق والتفجير والتخريب وقتل اهلها وامتها وخطبائها ((اولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون)).
مساجد الله.. عقيدة وأخلاق... د. صباح الداهري
