لم يكن التنقل وسط عشرات الجثث التي تم العثور عليها بطرق مختلفة، أمرا سهلا، فللوهلة الأولى يكاد الداخل إلى \"مشرحة بغداد\" يصاب بالإغماء، ويسقط مغشيا عليه من تلك المشاهد، التي بذلنا أياما من أجل إقناع المسؤولين على رؤيتها.
فبعد أكثر من محاولة وافق أحد المسؤولين في المشرحة من السماح لنا بالدخول، شرط أن لا نصطحب معنا أي أداة صحفية يمكنها أن تنقل للرأي العام ماذا يجري في داخل المشرحة، ولم ينس أن يحذرنا المسؤول من أن تكون عزائمنا قوية، لتستطيع تحمل ما ستراه في الداخل.
استبقنا الباب بعد أن تم تجريدنا بالكامل، فلا كاميرا تصوير فيديو، وتصوير رقمي، ولا أداة تسجيل غير ما سيعلق في الدماغ لاحقا، ولا أوراق ولا أقلام، فقط أدخل "بطولك"، على حد تعبير أحدهم.
استقبلتنا رائحة الموت منذ أول قدم دخلنا به أمام بوابة "معهد الطب ألعدلي"، وسط العاصمة العراقية بغداد، والذي كان يعج بمواطنين بدت على وجوههم الحيرة والارتباك، الأمر الذي طمئننا أننا لسنا نحن الزوار الوحيدين لتلك الجثث المكدسة فوق بعضها داخل أرفف ثلاجات الموتى، التي بدت هي الأخرى منتفخة، من كثرة التهامها المتواصل لتلك الأجساد المرعبة، ليلا ونهارا.
وعلى الرغم من حرصنا على الدخول مبكرا إلى المشرحة، إلا أننا فوجئنا بعدد كبير من المواطنين "المراجعين"، والذين كل منهم يبكي ليلاه، ويبحث عن عزيز أو قريب فقد أثره، منذ يوم أو يومين على الأكثر.
ولا فرق هنا بين من مات ابنه أو أبوه، ومن مات صديقه أو جاره، فالهم واحد، مما جعل أولئك المواطنين يتعاونون بينهم، فإن أمكن دخول أحد للبحث عن أفراد عائلته، كان واجبا عليه أيضا أن يتعرف على أكبر قدر ممكن من الجثث، ممن تم التعرف عليهم، ليخرج محملا بحمل ثقيل، يلزمه أن يبلغ أهل تلك الجثث التي رآه لدى الباب لكي يذهبوا ويستلموا ابنهم.
لم تتوقف الجثث منذ دخولنا في التاسعة صباحا، عن الوفود إلى المشرحة، وكان مشهد ذلك الشرطي وهو يرمي بها رميا أمام البوابة الرئيسية، وكأنها رؤوس "بصل أو بطيخ"، يثير الاشمئزاز أكثر، من رؤيتنا للجثث نفسها، والتي كانت تظهر ملامحها من تحت أغطيتها، وقد نكل بها أيما تنكيل.
لكن المشهد الذي صدمنا لدى الباب، هو أنه كلما وصلت للتو "شحنة" جديدة من الجثث، تسابق إليها عشرات المواطنين من الرجال والنساء، غير عابئين بأصوات المسؤولين ليفسحوا الطريق لتلك الجثث بالدخول أولا، فلوعة الشوق إلى رؤية غائب أو مفقود بين تلك الأكداس، قد يطفئ جمرة تتقد منذ أيام، وإن كان سيشعل في المقابل جمرة أخرى، الله وحده فقط، أعلم متى تخبو.
يقول أسامه العاني، من سكان حي الأمين في بغداد الجديدة، إنه جاء للمشرحة ليبحث عن أخ له اعتقل قبل أربعة أيام من قبل قوة تزعم أنها من "مغاوير الداخلية"، ويضيف: "سألنا كافة أقسام الشرطة والدوائر التابعة لوزارة الداخلية، ومقار مغاوير الداخلية، إلا أنهم أخبرونا بأنه لا يوجد لديهم معتقل بهذا الاسم، فلم يعد أمامنا سوى أن نلجأ إلى المشرحة".
أغلب الذين قابلناهم في باب المشرحة كانوا من سكان المناطق الغربية في العراق، وغالبيتهم من العرب السنة، ومعظم الروايات التي سمعناها تتحدث عن اعتقال أبنائهم، إما من قبل "مغاوير الداخلية" أو "مسلحين يرتدون الزي الأسود".
في داخل المشرحة، حاولنا التحدث إلى عدد من المسؤولين، لكن محاولاتنا باءت جميعها بالفشل، فهم يرفضون الحديث بشكل نهائي، مما عكس لنا بوضوح أن هناك تعليمات لهؤلاء المسؤولين، بعدم الحديث أو الإدلاء بأي تصريحات للصحافيين.
أثناء مرورنا بإحدى الممرات قابلتنا "بقعة دم" لم يكن لنا من مجال إلا أن نتخطاها، وتمس أحذيتنا بعض آثار الدم المتبقية منها، وقرب ثلاجة حفظ الجثث، شاهدنا آثارا أخرى للدماء، بعض الجثث التي كشفنا عنها لم تكن تحمل أي آثار أو حتى معالم وجه إنسان، بعد أن أزيلت بالكامل إما بواسطة الحرق أو مواد كيماوية (ماء النار أو التيزاب)، الذي يذيب جلد الوجه بالكامل، وبعض الجثث تم إحراقها، وبعضها ثم تعذيبها بقطع أطرافها وأصابع اليد، وبعضها مشوهة بالكامل.
وعند سؤالنا لأحد الذين يقفون قرب الثلاجة، عن عدد هذه الأنواع الجثث التي تأتي ، وكيف تم التعامل معها، والتعرف على هويتها؟، قال لنا بصوت منخفض، وكأن هناك من يراقبه: "غالبا ما تكون الجثث بهذا التشويه، وعليها آثار تعذيب، بعضها تعرض للتثقيب بالدريل الكهربائي (آلة حفر الجدران)، وبعضها حرق بالتيزاب، وماء النار، وبعضها الآخر نشر بمنشار كهربائي".
قبل خروجنا من المشرحة، انتزعا حديثا من موظف، بعد أن أقسمنا له مرارا بأننا لن نأتي باسمه ولا بصفة عمله، فقال لنا: "إن المشرحة لم تعد تستوعب جثث القتلى، التي تأتي يوميا، فالثلاجات أصلا مخصصة لحفظ نحو 300 جثة، أو اقل من هذا بقليل، غير أن المشرحة تستقبل يوميا نحو سبعين إلى ثمانين، ووصلت في أيام معينة إلى 150 جثة، كما إن هناك عدد من الجثث التي تبقى في داخل المشرحة، لأنه لا أحد يمكن له أن يتعرف عليها، من شدة التشويه، فنقوم بدفنها في مدافن خاصة".
ولم نشأ أنا وزميلي، مقاطعته من شدة فرحنا بالمعلومات، وكنا نكتفي بهز رؤوسنا حتى يكمل، وتابع الموظف: "سابقا كانت الجثة تبقى لمدة شهر، وفي حال لم يأت ذوي القتيل لاستلامه تقوم أمانة بغداد بدفنه، أما اليوم فإننا ندفن الجثة التي لا يحضر أهلها خلال يومين، وذلك بعد أن نلتقط لها صورة لعرضها على الذين يأتون إلى المشرحة للسؤال عن ذويهم المفقودين لاحقا".
بعد هذه الكلمات استجمعت أنا وزميلي نفسا عميقا، واتجهنا صوب الباب مباشرة، ونحن ننفض رائحة الجثث "المرعبة" التي علقت في أنوفنا، وتعلقت بثيابنا، ولسان حالنا يقول: "إن لم تكن هذه المشاهد التي رأينها هي انعكاس للحرب الأهلية، فما هو مفهوم الحرب الأهلية إذا!؟.. أحد العاملين المعتادين على رؤية الجثث حتى الثمالة، نصحنا بشرب عصير البرتقال، أو "استكان نومي بصرة"، حتى تروح الدوخة، ويأتينا النوم دون أحلام مفزعة، لتلك الوجوه التي سلخ جلدها عن عظمها، ودكت معالمها دكا!.
المصدر : القدس برس
25/3/2006
يوم في مشرحة بغداد!! .. عشرات الجثث المشوهة تلقى أمام أبوابها .. مسؤولون يخشون الإدلاء بأي تصريحات
