بعد أن صبغ الدم وجه المدن العراقية, صبيحة الخميس الأسود, وقبل أن يجف دم الضحايا, وباستهتار بالغ القبح بمشاعر أهاليهم,
انهالت التصريحات المتباينة في محاولة لتفسير, أو توظيف ماحدث, وكان أسوأها ما صدر عن وزارة الداخلية, التي حاول بيانها التقليل من أهمية تأثير تلك الهجمات في تحقيق أهدافها, وشدد على انه بات واضحاً لدى العراقيين مشروع الإرهاب وأهدافه الخبيثة، ولم ينس التأكيد على أن الأجهزة الأمنية وطّدت عزمها على التلاحم مع الشعب, في مهمة التصدي للإرهاب, مهما كانت التضحيات, ثم طلع علينا لواء يقود دائرة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في نفس الوزارة, ليبشرنا بأن القوات الأمنية نفذت عمليات دهم وتفتيش, في مناطق متفرقة من بغداد، اعتقلت خلالها 76 إرهابياً, مستندةً في حملتها إلى معلومات استخباراتية دقيقة، وفي تفسير آخر يدل على ارتباك الداخلية, تم تحميل المسؤولية لـلقاعدة، مبرراً عدم منعها من تنفيذ هجماتها الإرهابية, بالقول إن التنظيم بدأ استخدام تكتيكات حديثة, في سباق محموم, للإيحاء بأن الوضع الأمني في العراق لن يستقر, وكأنه استقر يوماً خلال السنوات السابقة.
وبعدها تسابق كل ذي هوىً ومصلحة في التفسير, فالسفارة الأميركية رأت أن تلك الأعمال الإرهابية, تأتي في إطار مساعي تمزيق نسيج الوحدة الوطنية العراقية، معتبرة إياها محاولة يائسة لتقويض بنيان المجتمع ومؤسساته, وقائمة العراقية دعت حكومة المالكي إلى الإستقالة, إن لم تكن قادرة على تحمل مسؤوليتها في حفظ الأمن، واعتبرت أنها فشلت في توفير أجواء سياسية ملائمة, والتيار الصدري دعا إلى إعادة النظر في عمل المنظومة الاستخباراتية، وطالب السياسيون بإنهاء خلافاتهم بغية تحقيق الأمن, ومن جانبه قال رئيس مجلس النواب, بعد قرار ( تاريخي ) بتزويد أعضاء المجلس بسيارات مصفحة, لحماية أرواحهم الأثمن من دم العراقيين, إن التفجيرات تهدف إلى إذكاء نار الفتنة, وإفشال عقد القمة العربية, والاجتماع الوطني للقوى السياسية, وجبهة صالح المطلك دانت ودعت القوى السياسية إلى تجاوز خلافاتها, وعدم الإنجرار وراء المكاسب الفئوية والحزبية والشخصية, وللنهوض بمسؤولياتها الوطنية, للوقوف بوجه الإرهاب, ومؤكد أنه فاتتنا تصريحات لمسؤولين آخرين, لكننا نكتفي بما أوردنا.
دون أن يكون باستطاعة أحد اتهامنا بمصلحة ما, أو بالإنحياز لغير دم العراقيين وأمنهم ومستقبلهم, فإن النتيجة الأولى الممكن استخلاصها أن الحكومة مقصرة, وأن أجهزة الأمن مدانة بالتقصير والإهمال أيضاً, وإلا فكيف يمكن تفسير امتلاكها لمعلومات مخابراتية مؤكدة ودقيقة, عن إرهابيين يتجولون في شوارع بغداد, دون أن تقوم باعتقالهم, وأن السياسيين وأعضاء مجلس النواب على وجه الخصوص, الذين يتلهون بالبحث عن المغانم, يتحملون جانباً ضخماً من المسؤولية, وتصريحاتهم جميعاً تؤشر إلى سعيهم للتنصل منها, وتحميلها للمجهول, أما القوى السياسية التي انتهزت المناسبة, للتذكير بمطالبها من حكومة المالكي, فإنها تستحق أشد أشكال الإدانة, لاستهتارها بدماء الضحايا, ومحاولتها توظيفها, للخروج من زوايا الظل إلى فضاء السلطة, ومغانمها ومكاسبها.
وبعد, فهل نملك على البعد غير أن نصرخ بأسىً, سلام على دم العراقيين, سلام على دم العراقيين.
صحيفة الر أي الاردنية
التوظيف البائس لدماء العراقيين.. حازم مبيضين
