على مدى أربعة أيام ناقش أكثر من سبعين باحثا ومفكرا وسياسيا التحولات في المنطقة العربية، في ندوة أقامها مركز دراسات الوحدة العربية، عقدت في تونس.
وإذا كان من الطبيعي أن تجد تأثيرات الطروحات والأفكار التي يتبناها الباحثون والأكاديميون على خطاب وسلوكيات السياسيين من المشاركين في هذه الندوات، التي تقام باستمرار في عواصم عربية أو خارجية، فإن الإشكالية التي لمستها بوضوح في ندوة تونس، أن العديد من الباحثين قد ابتعدوا عن المنهجية في تناول الأحداث والوقائع الجارية في الدول العربية لصالح التوجهات السياسية لهذه الدولة أو تلك القوى السياسية، وهذا أمر يؤشر سلبية تحسب على الباحثين والأساتذة الجامعيين.
ربما رصدت هذه القضية لأنني طالما عملت خلال السنوات الماضية على طرح قضية العراق الواقع تحت الاحتلال الأميركي، وأعترف أنني لم أترك نافذة إلا وزججت فيها بقضية الاحتلال والمقاومة العراقية، وقد يكون لي عذري في ذلك، فأنا أتلظى بجحيم الاحتلال اليومي وبلدي يحترق وأهلي في أتون الجحيم، إلا أن الملاحظات التي سجلتها خلال واحد وعشرين بحثا وأكثر من ستين تعقيبا وما لا يقل عن مئتي نقاش، هي حصيلة هذه الندوة المهمة، وأن الحضور للإسقاطات السياسية قد طغى على العديد من النقاشات، فتجد أصوات أكاديميين لم تنقطع عن انتقاد الحكومة السورية، ولم تتوقف هذه الأصوات عن توجيه أقسى الانتقادات لسوريا على خلفية العلاقات الواسعة والقوية مع جمهورية إيران الإسلامية، وعلى الطرف الآخر لم يتوقف التيار المدافع عن سوريا في الرد على هؤلاء، وسلاح هؤلاء في الرد هو سوريا الممانعة والداعمة للمقاومة ضد إسرائيل، واستولت هذه النقاشات على مساحة مهمة من زمن الندوة، وبقراءة دقيقة تجد أنها قد وقعت بسبب الإسقاطات السياسية، وما تشهده الساحة السورية والضغوطات الدولية على إيران، والتدخل الإيراني في العراق وما يتم تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية عن سيطرة الحكومة الإيرانية من خلال الحرس الثوري على القرار في بغداد.
وجاءت انتقادات لدول الخليج العربي، تركزت على موضوع التنمية الذي وصفه أحد الباحثين بالغياب التام، وأعطى صورة معتمة للكثير من دول الخليج التي يرى أن اعتمادها المستمر على صادرات النفط دون الاهتمام بصناعة تنمية حقيقية تضع في أول أولوياتها احتمال نضوب النفط أو ظهور بدائل للطاقة، وهو ما تعمل عليه الولايات المتحدة والغرب، وعند ذاك ستجد الدول المعتمدة على النفط أمام أخطر التحديات، وفي مقدمة ذلك الانهيارات الاجتماعية في مفاصل مهمة وخطيرة، وبما يشبه إصابة عائلة غنية بالإفلاس المفاجئ ما يجعل جميع أفراد العائلة في مهب الريح، وعندما تطرق إلى سجناء الرأي في بعض دول الخليج، فإن الرد جاء من أكاديمي من المشاركين في الندوة، بأنه قد تحدث في إحدى الفضائيات لأكثر من ساعة وانتقد الأداء الحكومي في دولته، وأنه بعد انقضاء مدة الندوة سيعود إلى بلده دون أن يتعرض للمساءلة من قبل الأجهزة الأمنية، وفي واقع الحال وجدت في هذا الرد خطابا حكوميا أكثر من كونه خطاب المسؤولية البحثية والعلمية، فإذا تحدثت الأطراف بلغة الانتقاد لهذه الحكومة أو تلك فإن رد الطرف الآخر يسارع لأخذ دور الناطق الرسمي باسم تلك الحكومة أو هذا الحزب، وفي هكذا حال فإن غياب الرؤية والوضوح في الطرح والنقاش، لم يكن بسبب عدم وضوح الصورة في عقل الباحث والأكاديمي، وإنما بسبب حجم الإسقاطات السياسية التي وجدت أن الكثير منها يتحكم بالأكاديمي والباحث والمفكر. وهذا الأمر يضر كثيرا بقضية البناء الحقيقي ولا يعبد الطريق أمام الذين يبحثون عن خطة طريق حقيقة للوطن العربي في ضوء المتغيرات التي شهدتها الدول العربية، وما زالت متواصلة في دول أخرى ولا يستبعد حصولها في مناطق مرشحة لهذا الحراك بقوة.
خطورة إسقاطات السياسة... وليد الزبيدي
