إذا تجاوز الصبر الحدود، عاد بمردود يعتبر الموت جودا من الموجود، ينتحرون، يتهتكون، يهربون لعالم مسكون بالمطلقات الطوطمية، يحجبون أنفاسهم عن
ملامسة واقع "فاطس" لا يبعث إلا على الغثيان المميت، يتدروشون، يتخدرون، يتفجرون، يترنحون ويتقلبون ويتلوون حتى يجدوا أنفسهم مجترين لدورة الحياة الميتة ذاتها!
تحترق أجسادهم وهي تتنفس هواء منتهي الصلاحية، تتزوهر أكبادهم من بثول ماء وغذاء ودواء لا يصلح إلا لتسميم الزواحف السامة، صارت أجسادهم عوامل تساعد على كل أنواع الاشتعال لما تحمله من وقود إشعاعي، يهاجرون زرافات زرافات، مشيا ولطما وعبثا بالجسد الفاني، وطمعا بحشر ينفلت من عقال هذا الوجود القاتل، يفصلون بين أرواحهم وأجسادهم بغريزة صعود الأرواح إلى رحمة باريها ويدعون أجساهم تلاقي ما تلاقي في عالمهم السفلي هذا!
تتعملق مقبرة السلام في النجف الأشرف، والتي هي أكبر مدفن في العالم المعلوم، ويتقزم أمامها العمران الحي في كل أحياء العراق الغائصة بأجواء الموت، مدينة المدافن تلك أصبحت قبلة للتنفيس، فالاحتباس الحي يدفع باتجاه الهواء الطلق، حيث الراحة الأبدية!
لا يمر يوم أو ساعة دون أن يهرب للموت أو يهرب إليه العشرات من العراقيين، ليس الموت "موت الله " وإنما موت بحيلة "الجني" الذي ركب العراق منذ أن حوصر واحتل وتفصفص!
في السليمانية ودهوك اعتاد الناس هذه الأيام على سماع أخبار النسوة اللواتي ينتحرن بحرق أنفسهن، أما الشباب فبشنق النفس أو بإطلاق الرصاص عليها!
لا تمر جمعة دون حفلات الإعدام، والتي يسجل بعضها في سجل وزارة العدل ولا يسجل أغلبها لأن المنفذ بهم الإعدام معتقلون أو مخطوفون غير مسجلين! فالسجون والمعتقلات السرية هي ساحات للتعذيب حتى الموت، والهرب منها هو الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة حتى لو كان ثمن الهروب هو الموت نفسه، الموت هربا أقل قساوة من الموت تحت التعذيب!
أهل الفاو لا يملكون إلا أن يشربوا من الماء الماج بملوحة الخليج، وأطفال الفلاحين في البصرة والناصرية والمثنى والقادسية لا يملكون إلا أن يلعبوا ببقايا ما دمر من دروع عراقية صهرتها قذائف الأمريكان المشبعة باليورانيوم المنضب!
الحصة التموينية على تدوّدها تنقرض شيئا فشيئا، هذه الحصة الوحيدة التي كان قد خرج بها المواطن لنفسه كمواطن بلا هويات أخرى من بين كل حصص المتغانمين، يراد لها الإعدام بحسب توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الذي تقترض منه حكومة المحاصصات عندما لا تجد في حسابها الجاري نقدا سائلا يسد عطشها الفاسد.
البنك والصندوق الدوليان يمليان شروطهما بديباجة النصح والإرشاد، وليس على الحكومة غير السمع والطاعة، فلا زيادة في سلم الرواتب الخاصة بالموظفين والعمال الذين تصر الحكومة على تسميتهم موظفين، ولا دعم لأسعار المحروقات، ولا إعادة لتأهيل القطاع العام بل الدفع باتجاه خصخصته، كل هذا مع الانفتاح الكامل على سوق الاستثمارات النفطية العالمية وبلا قيود، البنك والصندوق يتدخلان حتى في رسم ملامح الميزانيات الهزيلة للحكومة، من منطلق أن كل واردات العراق النقدية ما زالت خاضعة لوصاية البند السابع وتلك الواردات توضع ببنك تنمية العراق الأمريكي، فالعراق ليس سيدا على وارداته لأن أذونات الصرف تقدم من البنك المركزي العراقي لبنك تنمية العراق هذا!
قررت الحكومة وبعد احتجاجات شعبية واسعة على تدهور الخدمات العامة، والحضيض الذي وصلت إليه نتيجة الهدم والإهدار وانعدام الكفاءة والنزاهة وتفشي الفساد وانتشار حكايات العقود الوهمية والمشاريع الوهمية والوعود الوهمية، أن تنفذ برنامجا انفجاريا لتلبية مطالب المحتجين خلال مئة يوم..
مرت المائة يوم ومرت المئات من الأيام، ولم يتحقق شيء يذكر، سوى النجاح في شنق حركة الاحتجاج ذاتها وحتى الموت!
الصبر لا يجدي نفعا مع من يجعل القبر مفتاحا للتفريج عن كربة الوطن والمواطن، لا يجدي نفعا غير إرسال حكومة المحاصصات الغنائمية وعمليتها السياسية ذاتها إلى القبر الذي لا يزار، لتستعيد الحياة روحها في العراق.
صار القبر مفتاح الفرج في عرف حكام العراق الجديد!... جمال محمد تقي
