تُنهي الغزوة الكولونيالية الأمريكية للعراق عامها الثالث على مسافة زمنية قريبة من بداية عدّها العكسي (الانسحاب)، وفي مناخ من الارتباك والتناقض يشُدّان بخناق الاحتلال ويفرضان على اندفاعاته العسكرية مزيداً من الانكفاء، وينقلان إلى داخله الاجتماعي والسياسي (الأمريكي)
آثار ارتباكه وتعثره موجات متلاحقة من الاعتراض على سياسات الإدارة الأمريكية المحافظة من قبل الرأي العام و”الديمقراطيين”، بل وحتى قسم كبير من الجمهوريين.. دعْك من الرأي العام الدولي الذي احتج عليها وناهضها منذ كشرت عن أنيابها في ربيع العام 2002.
على مسافة من اليوم الأول للعدوان والغزو في العشرين من مارس/آذار ،2003 حيث يفصلنا عنه ألف ومائة يوم، يستطيع المرء أن يلحظ مقدار الفجوة الهائل بين الطموحات الامبراطورية التي أتت محمولة على صهوة القوة النارية العمياء (لتصبّ حممها على كل شيء في بلاد الرافدين) وبين النتائج الهزيلة التي أمكن للأمريكيين قطافها. ونسارع هنا إلى القول إنها هزيلة فقط بحساب الفائدة إلى الاستثمار السياسي لدى الولايات المتحدة. أما في حساب العراق والعرب، فالنتائج كارثية بكل المقاييس والمعاني، وهل قليل أن يقع العراق تحت قبضة الاحتلال، ويقع تحطيم دولته وتفتيت كيانها الجغرافي البشري، وينفخ في نار الفتنة بين أبنائه، وينهار الأمن في ربوعه، ويطاح بنظامه الوطني فيؤتى ب”نظام” موال للاحتلال “يحكم” بحرابه ويُعلن تمسكه ببقاء قوات ذلك الاحتلال؟
قلنا إن المرء يلحظ مقدار ما بين أهداف الاحتلال ونتائجه من فجوة وسيعة: أتت جحافل الغزاة إلى العراق وفي ظن من أرسلوها أنها ذاهبة بأمريكا إلى حلمها الامبراطوري اللذيذ: الفوز ب”الجائزة الكبرى” (نِفط العراق)، وإعادة تشكيل الجغرافيا الكيانية للمنطقة العربية على مقتضى الهندسة الأنثروبو سياسية الأمريكية الجديدة، وإقامة قواعد عسكرية ثابتة ومطلة على الخطر الصيني القادم على أمريكا في بحر عقدين أو ثلاثة، والتحكم في مستقبل الصناعة الأوروبية واليابانية والصينية من طريق التحكم في مصادر الطاقة: إنتاجاً وتدفقاً وتسويقاً وتسعيراً، ثم حماية أمن الدولة الصهيونية من خطر جيش (عراقي) مسلح بعقيدة سياسية معادية لها.. الخ. لكن شيئاً كثيراً بل قليلاً من هذا الحلم ما وجد إلى تحقيق نفسه سبيلا:
تبخرت الأهداف المضمرة من الغزو والاحتلال إذن، ولم يبق منها غير أطلال للذكرى. أما الأهداف المعلنة، التي سيقت لمجرد صرف أنظار العالم عن الأهداف الفعلية المضمرة، فلم يكن حظها أفضل من الأولى. زعم بوش وأركان نظامه أنه جيش جيشه ل”حماية” الأمن والسلام العالميين من خطر “أسلحة الدمار الشامل” العراقية، فثبت أن لا أسلحة من هذا النوع في العراق. وكانت تلك هزيمة سياسية وأخلاقية واستخباراتية لإدارته. وزعم أنه إنما أتى العراق غازياً لتوافُرِ قرائن لدى أجهزة دولته بوجود صلات بين النظام العراقي وتنظيم “القاعدة”، فاضطر إلى أن يكذّب نفسه بنفسه. وكانت (تلك) هزيمة ثانية للقرار السياسي والمصداقية والقيم والمعلومات. ثم ما بقي لإدارته من ذريعة أخرى تبرّر بها غزوتها الكولونيالية سوى الزعم بأنها إنما صُممت من أجل بناء “عراق جديد” وإقامة نظام “ديمقراطي” فيه.
وها هو عراق جورج بوش يرفُل اليوم في “نعيم” “الديمقراطية” و”الحرية” و”الأمن” و”الاستقرار” و”التقدم”؛ وها هي حركة “الإعمار” فيه تصل الليل بالنهار “فتشُق الطرق”، و”تقيم الجسور”، و”تعيد بناء” شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، و”تفتح” مزيداً من المدارس والمستشفيات والجامعات والمكتبات والمتاحف والمسارح والمصانع ومصافي النفط، وها هي وحدة العراق الكيانية تتمتّن ورابطته الوطنية تتماسك، وها هو البلد يستعيد استقلاله وسيادته ويستأنف دوره الحضاري في العالم؛ وها هو جورج بوش يستأنف عادته في مخاطبة عالم يظُنه عالماً غبيّاً ومخدوعاً وحقيراً في عصر الصورة والمعلومات!!
لقد قدّمت الغزوة الكولونيالية الأمريكية لبلاد الرافدين “درساً غنيّاً” وغير مسبوق في الأهمية لمعنى “الديمقراطية” في الخطاب الامبراطوري (الأمريكي) الجديد: “الديمقراطية” هي تقسيم الشعب الواحد إلى تكويناته البدائية (الطوائف والمذاهب والأعراق والقبائل والعشائر والبطون والأفخاد..!)، وإطلاق الفتنة من “عِقال” السلم الأهلية، وتنمية المنافسة “السياسية” “الحرّة” على الرؤوس والدمار، وتقطيع أوصال الجغرافيا الطبيعية والبشرية إلى كانتونات مُقْفَلَة على بعضها باسم “الفيدرالية”، و”الاحتفاء” بكرامة العراقيين وإبائهم في “أبوغريب” وسواه من “فنادق” أمريكا “الراقية” في العراق! وعليه، فالذي يفترض أن شعب العراق واحدٌ يعلو على انقساماته العصبوية ليس ديمقراطياً. والذي يدافع عن وحدته الكيانية ليس ديمقراطياً. والذي يساند حق شعبه في استعادة الاستقلال والسيادة ليس ديمقراطياً، والذي تعلّم مفردات الديمقراطية من مراجعها الأوروبية ليس ديمقراطياً أو لا يدرك أن معنى الديمقراطية تغير في العصر الأمريكي!
أخذنا علماً بهذه “الديمقراطية” الأمريكية. ولكن، على إدارة بوش أن تأخذ علماً بأن “ديمقراطيتها” هذه ستأخذ مجد أمريكا الامبراطوري إلى حتفه. فالقوة وحدها من دون شرعية سياسية وأخلاقية لا تكفي لبناء هيبة ومجد. إذ من سيصدقها من حلفائها قبل الأعداء؟! الأهم من ذلك في ما يعنينا أن تأخذ هذه الإدارة علماً بالحقيقة التي لا سبيل إلى حجبها أو تزويرها
وهي:
إن العراق باقٍ
والاحتلال إلى زوال
حصاد أمريكا في الذكرى السنوية الثالثة للغزو ... د. عبدالإله بلقزيز
