هيئة علماء المسلمين في العراق

تصريحات قاسم سليماني والأوراق الإيرانية في المنطقة.. أمير المفرجي
تصريحات قاسم سليماني والأوراق الإيرانية في المنطقة.. أمير المفرجي تصريحات قاسم سليماني والأوراق الإيرانية في المنطقة..	 أمير المفرجي

تصريحات قاسم سليماني والأوراق الإيرانية في المنطقة.. أمير المفرجي

لا شك بأن للتصريحات الأخيرة لما يسمى بقائد فيلق (القدس) الإيراني قاسم سليماني، فيما يتعلق بخضوع العراق وجنوب لبنان لإرادة إيران، علاقة كبيرة بمستقبل الأحداث في المنطقة . وعلى الرغم من التناقض في الموقف الإيراني الرسمي من هذا التصريح بعد شجبه من قبل الحكومة الإيرانية، بيد ان هذا الحدث يمـُكن اعتباره على إنه شهادة اعتراف رسمي من قمة الهرم الحاكم نظرا لارتباط سليماني مباشرة بالمرشد الإيراني علي خامنئي. وهو بالتالي إعادة للتذكير بحقيقة خضوع العراق وجنوب لبنان لإرادة إيران وإمكانية تشكيل حكومة إسلامية تابعة لها في هذه الدول العربية.
ولا شك أيضا في ان تكون لنفس هذه التصريحات الخطيرة علاقة مباشرة مع سيناريو مسلسل استعراض العضلات والمناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة، وتهديدات الحرس الإسلامي الإيراني وفيلق قاسم سليماني بحرق الأخضر واليابس وتدمير القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي، أو ما يسمى بورقة الضغط الإقليمي في مباحثات الملف النووي مع المجتمع الدولي وفرق التفتيش الموجودة حاليا في طهران.
وبغض النظر عن الأسباب والمبررات لهذه التصريحات فيما يتعلق بالسيطرة الإيرانية على جنوب لبنان والعراق، فأن توقيتها جاء في الفترة الذي يحاول بها المجتمع الدوّلي إيجاد حل لأزمة السلاح النووي الإيراني من جهة، وتزامنها مع المناورات العسكرية وتهديدات فيلق القدس بإشعال المنطقة من جهة أخرى. وقد يكون لهذا التصريح الإيراني المنسوب لقاسم سليماني الأهمية الكبيرة في قراءة طبيعة الإستراتيجية الإيرانية القادمة لنظام ولاية الفقيه، في تعامله مع قواعده التي بناها في العراق وسورية وجنوب لبنان للمرحلة القادمة. حيث لم تكن تدخلات النظام الإيراني في فلسطين والعراق عن طريق حزب الله والقوى المذهبية العراقية إلا أوراق ضغط ومساومة لتنفيذ مصالحه، خصوصا وان الإرادة الفعلية الإيرانية تتمثل في مشروعها القومي في تقاسم النفوذ كقوة كبيرة مع تركيا وإسرائيل.
فثمة مؤشرات واضحة قد رافقت تصريحات قاسم سليماني قد أظهرتها الأحداث والتصريحات الأخيرة، أولها هي رسالة الرئيس أوباما (الغير معلنة) لإيران، ومن ثم زيارة وزير الخارجية الإيراني في تركيا علي أكبر صالحي وتصريحاته في' أن بلاده مستعدة لمفاوضات بدون شروط مسبقة مع الولايات المتحدة الأمريكية'. وقد عززت خفايا كل هذه المناورات لهجة التصريحات الأخيرة للرئيس ساركوزي من قضية الحرب على إيران، والتغيرات التي طرأت على الموقف الفرنسي الداعي إلى تفضيل مبدأ العقوبات الاقتصادية كبديل وكحل للخروج من الأزمة التي يتحمل مسؤوليتها النظام القومي والثيوقراطي الإيراني.
وبمعنى أخر فقد ترجمت تصريحات قائد فيلق (القدس) عن خطورة الدور الذي رسمته مرجعية ولاية الفقيه لهذه الأحزاب الاثنية لخدمة المصالح القومية العليا لإيران في تنفيذ إستراتيجيتها التوسعية. وقد يقودنا هذا التحليل الأخير الى فهم فحوى التصريحات الأخيرة والتي يُمكن قراءتها على إنها توثيق من المصدر واعتراف رسمي للدولة الإيرانية للملفات السرية الخاصة مع عملائها وأحزابها في العراق وجنوب لبنان.
وإذ كان رد الفعل الشعبي العراقي واضحا في شجبه للتدخل الأجنبي وللوجود الإيراني، الذي وثقته تصريحات قاسم سليماني الخاصة بتبعية الأنظمة والتيارات المذهبية الحاكمة في بغـداد وحزب الله في جنوب لبنان، لم يبق أمام هذه الأنظمة التي كشف ممثل ولي الفقيه أوراقها إلا من التستر بغطاء الوطنية، وشجب التدخل الإيراني ورفض تصريحات سليماني، انطلاقا من وضعية العراق كدولة مستقلة، في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني بعدم استقلالية حكومة نوري المالكي التي يتهمها الشعب العراقي والدول العربية والأوروبية على إنها تخضع مباشرة لإيران. من هذا المنطق وبعد ان نزعت تصريحات سليماني الأخيرة عنهم ورقة التوت التي يتسترون بها، فقد لا تنفع محاولات الأحزاب القريبة من النظام الإيراني التضليلية عن طريق التستر خلف شعارات ظاهرية، في الوقت الذي تعمل باطنيا على تسهيل ربط النظام السياسي والديني العراقي بالنظام الإيراني عن طريق ربط الشارعين العراقي والإيراني مذهبيا والمساعدة على انفتاحهما أثنيا في المنطقة.
وقد كان لتفاوت الردود في المشهد السياسي العراقي أخيرا واختلاف درجة حدتها الأثر الكبير في كشف هذه الشخصيات. ففي الوقت الذي لم يظهر الشارع العراقي دهشته مماتضمنته تصريحات قاسم سليماني باعتباره أمرا واقعا يعرفه الداني والقاصي، قوبلت هذه التصريحات بلهجة جديدة من قبل أصدقاء إيران في العراق. حيث أبدت الأغلبية من الشخصيات ومسؤولي الأحزاب والمليشيات التي ترتبط بإيران عن رفضها لهذا التصريح المباشر، والذي اعتبروه انعطافة خطيرة، وفضيحة من العيار الثقيل يتحملها الـُمرشد علي خامئني، فيما يتعلق بسرية ملفات العلاقات الدولة الإسلامية في إيران مع حلفائها في العراق والمنطقة، وهي بالتالي شهادة من قمة الهرم الإيراني في قم وطهران، يـُمكن اعتبارها بمثابة اعتراف إيراني بعمالة هذه الشخصيات وأحزابها للأهداف القومية الفارسية وخيانة لشعوبهم، وبالتالي فهي شهادة وفاة تنهي وجود هذه الجهات في المشهد السياسي والوطني.
فمن منا لم يسمع في الأمس من الأعلام الإيراني ومن أعلى المتنفذين فيه فتاوى ومواعظ عن ادعاءات نظام خامئني الإسلامية، ونظرته المساندة لقضايا الأمة العربية المركزية في فلسطين والعراق. ومن منا لم يشاهد على شاشات الإعلام المرئي عمليات استعراض العضلات الإيرانية الأخيرة وتهديدات الحرس الإسلامي الإيراني وفيلق القدس بغلق مضيق هرمز، وتدمير القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي. ولكن من منا أيضا لم يسمع ولم يشاهد اليوم التغير الكبير في الموقف الإيراني الرسمي الذي أعلنه وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي رداً على الرسالة السرية التي وجهتها أخيرا الإدارة الأميركية إلى طهران في ' أن بلاده لم تحاول يوماً في تاريخها إغلاق مضيق هرمز الذي يعبر من خلاله قسم كبير من النفط العالمي، وإنها لم تحاول يوماً وضع عراقيل أمام هذه الطريق البحرية المهمة.
ان تصريحات قاسم سليماني الأخيرة وبالرغم من شجب الناطق الرسمي الإيراني لها، قد يكون لها الأثر الكبير على مستقبل الوجود المذهبي في جنوب لبنان وبقاء النظام الطائفي في العراق. فصواريخ إيران وكتائب قاسم سليماني التي طال انتظارها شئنا أم أبينا، لم تتوجه إلى إسرائيل والقوات الأمريكية، بل لمساعدةالسيد نصر الله وحكومة المنطقة الخضراء. وهذا هو مؤشر مهم في اللعبة الإيرانية التي تعتمد على تحالفاتها الإقليمية، حيث تلعب إيران مع حلفائها في العراق وجنوب لبنان وتسخرهم كأوراق تضعها حين تشاء وتزيلها وتحرقها عند التوافق مع الولايات المتحدة والتوصل للأهداف القومية للأمة الإيرانية. لقد أثبتت فترة ما بعد المناورات الحربية الأخيرة للجمهورية الإسلامية على فشل صواريخ المؤسسة العسكرية الإيرانية في إغلاق مضيق هرمز بعد دخول حاملة الطائرات الأمريكية لنكولن إليه أخيرا. ولكنها في نفس الوقت نجحت، عن طريق تصريحات قاسم سليماني الخطيرة في الوصول إلى مكاتب الضاحية الجنوبية في بيروت والمنطقة الخضراء في بغــداد من أجل حرق أوراق انتهت صلاحيتها و لم تعد خافية على العجم والعربان.


  القدس العربي

أضف تعليق