في تحرك ذي معانٍ في هذه المرحلة انطلقت حملة أمريكية تستهدف التخلص من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وتحميله مسؤولية الفشل الذريع في العراق. وبدأت عملية “فتح أبواب الجحيم” في وجه وزير الدفاع الأمريكي، كما قال مسؤول أمريكي لـ “الخليج” قبل أيام، وتصاعدت مطالبات غير مسبوقة شارك فيها أعضاء كبار في الكونجرس لكي يتم طرد رامسفيلد أو على الأقل إجباره على تقديم استقالته.
ويتوقع الخبراء أن يكون رامسفيلد أول من سيتم تحميله المسؤولية عن الوضع الكارثي في العراق، في قائمة تضم رامسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني والرئيس الأمريكي نفسه، في حين يحاول المسؤولون الأساسيون - عن الدفع بفكرة غزو العراق الى عقول صانعي القرار في إدارة بوش وتحديداً هؤلاء الثلاثة - التنصل من أي مسؤولية بحماية تيار المحافظين الجدد.
وعلمت “الخليج” أن هناك أفكاراً تناقش حالياً داخل البيت الأبيض لاتخاذ قرار بإعادة انتشار القوات الأمريكية في العراق بعيداً عن الآهلة بالسكان، وبعيداً عن المدن، في قواعد حصينة لحماية القوات الأمريكية من أية مواجهات تسفر عن خسائر في الأرواح، وفي خطوة تستهدف بالأساس استعادة تأييد الأمريكيين للحرب!!.
وستكون مهمة القوات الأمريكية التركيز على محاربة "الإرهابيين والمتطرفين الإسلاميين والقاعدة".
ويتزامن ذلك مع قيام القوات الأمريكية بتزويد القوات "العراقية" بالمساعدات اللوجستية مع بقاء الدور الأمريكي “في صورة مستشارين” تخفي دوراً أمريكياً قيادياً في تسيير أعمال القوات العراقية، بينما تضطلع القوات "العراقية" بالمسؤولية الأساسية في المواجهات مع "المتمردين" المحليين والتعاطي وجهاً لوجه مع الموقف.
وكانت صحيفة “النيويورك تايمز” قد شنت هجوماً غير مسبوق على دونالد رامسفيلد في مقالتها الافتتاحية قبل أيام وطالبته بالخروج من البنتاجون، وذكرت الصحيفة أن دونالد رامسفيلد هو الشخص المسؤول عن ضياع الفرصة في إدارة الأمور بالعراق بطريقة أفضل، لو كانت هناك قوات أمريكية أكثر أو لو كانت أمريكا منعت "المتمردين" من نهب مخازن وذخيرة صدام حسين أو لو كانوا وفروا للعراقيين الشعور بالأمن.
وشككت “النيويورك تايمز” في حدوث أي من هذا، وذكرت أن آخر ثلاث سنوات أظهرت أنه لم تكن الزعامة الأمريكية تفهم العراق وهي السنوات التي أظهرت كيف أن محاولات التحرير من الخارج تنتهي دائماً بنهايات سيئة.
وأضافت أن الجنرالات على الأرض كانوا يعرفون الكارثة التي تخلق بالعراق بينما يسعون جرياً نحو بغداد!!. واستشهدت الصحيفة بكتاب كوبراج، وكيف أن الجنرالات على الأرض كانت أوامرهم تنقض بأوامر أخرى صادرة من واشنطن مقصود بها تدخل مدنيي البيت الأبيض والبنتاجون في سير العمليات العسكرية!!.
وقد ذكرت “النيويورك تايمز” أن هذه القرارات أصدرها أشخاص لا يهديهم الواقع بل خرافاتهم الموجودة داخل عقولهم التي ترى أن الحرب في العراق سيتم كسبها، وأنه غالباً ما لم يكن الرئيس بوش مدركاً لهذا وقتها، ولكن بقاء رامسفيلد واستمراره في مكانه حتى الآن يشير الى أن بوش لا يهتم وأنه يفضل البقاء في عالم الأحلام الذي يعيش فيه وزير دفاعه!!.
وبالتزامن مع هذا الهجوم العنيف على رامسفيلد الذي بدأ يتصاعد في الولايات المتحدة فإن رامسفيلد تحدث أمس في مقال نشره في “الواشنطن بوست” مدافعاً عن الوضع في العراق واتهم "الارهابيين" في العراق بإشعال وقود الحرب الطائفية، وحذر من أن واشنطن إن أدارت ظهرها للعراق الآن فإن الأمر سيكون كما لو كانت الولايات المتحدة أعادت ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى النازيين!!.
ووصف رامسفيلد ترك العراق بأنه سيكون ملطخاً "للشرف"!!.
وكان زعيم الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب النائب جون مارثا قد هاجم الأداء الأمريكي في العراق وقال: هذه الإدارة تحاول تصوير الحرب في العراق وكأنها تسير باتجاه صحيح، ولكنني لا أرى أي تقدم مما يحكون لنا عنه، وعندما يتحدثون عن سيطرتهم على 75% من الأراضي العراقية، فهذا يتناقض مع ما رأيته في العراق، لقد شاهدت الصحراء المترامية حول الأنبار، وقالوا لي هذه هي مناطق سيطرتنا!!.. البطالة بالأنبار بلغت 60% وبعض المدن العراقية وصلت البطالة فيها إلى 90 %. ماذا تتوقعون؟!!
وأكد مارثا أن هناك حرباً أهلية تجري حالياً بالعراق، وإذا ترك الأمريكيون العراق الآن فإن العراقيين سيبحثون عن “القاعدة” ويتخلصون منهم، وأشار إلى أن أعضاء القاعدة في العراق لا يتجاوز عددهم الألف!! بينما يوجد ما بين 20 ألفاً إلى 30 ألف "متمرد" يتقاتلون.
وأعلن مارثا أن الإدارة الأمريكية بقيادة بوش معزولة ومتقوقعة بعيداً عن الشعب الأمريكي، بينما يحاولون توجيه اللوم للعسكر عن أخطاء ارتكبتها هذه الإدارة!!.
وقال مارثا، في برنامج قابل الصحافة، إنه “لو كان مكان الرئيس بوش فأول شيء أفعله هو أن أطرد كل المسؤولين عن هذه المصيبة، سواء كانوا في أجهزة الاستخبارات أو مجلس الأمن القومي أو وزارة الدفاع”، وأردف قائلاً “رامسفيلد يجب أن يقدم استقالته!!”.
وعندما سئل: إن كان تشيني يجب أن يغادر هو أيضاً، قال: “لا تستطيع أن تطرد نائب رئيس، ولكن تشيني مسؤول أيضاً”.
وطالب مارثا بإعادة انتشار القوات الأمريكية وإبلاغ العراقيين بأن عليهم الحفاظ على بلدهم، ثم القيام بإعادة بناء الجيش الأمريكي!!.
وكان قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال جورج كيسي قد أنكر مجدداً حدوث حرب أهلية في العراق وتوقع البقاء هناك لمدة عامين، وهو التعليق الذي أغضب النائب مارثا وأكد حدوث حرب أهلية، كما قال متهكماً “إن من خيبة الإدارة الأمريكية وسوء تقديرها أنه حتى خيارها الأول وخيار البنتاجون الأول ورجلهم في العراق أحمد الجلبي لم يحصل سوى على 1% في الانتخابات، بينما حصل الرجل القوي هناك إياد علاوي على 8%. وأنه لا يوجد سوى إيران والصين و”القاعدة” التي تريد أن يستمر الوجود الأمريكي في العراق حيث تستنزف أمريكا وتخسر ضحايا وأموالاً”.
وقد دخل في مناقشة الأمر كل من زبجنيو بريجنسكي، مستشار مجلس الأمن القومي الأمريكي الأسبق، وصديقه اللدود هنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق، فقد هاجم بريجنسكي الأداء الأمريكي في العراق، وقال: “ إن الموقف الحادث في العراق الآن ما هو إلا حرب استنزاف، ونحن لا نكسبها”، وأضاف بريجنسكي “أن 78% من العراقيين يريدوننا أن نخرج من العراق، وكلمة ( أننا نحاول الحصول على النصر الكامل ) - في اشارة لما صرح به الرئيس بوش مؤخراً - فهذا موقف استعماري ووجهة نظر استعمارية وليست إلا شعارات”.!!
ورداً على سؤال عن المفروض فعله، قال بريجنسكي “علينا القيام بثلاثة أشياء وهي:
أن نطلب من القيادة العراقية أن تطلب منا الخروج!!، ومن لا يوافق من القيادات العراقية على هذا الطلب هم الذين سيخرجون معنا لو قمنا بالخروج!!،
ثم تحديد موعد لإكمال الانسحاب، وأنه في خلال عام يجب أن تكون أمريكا خارج العراق!!،
ثم أخيراً نطلب من الحكومة العراقية الدعوة إلى مؤتمر للجيران لتهدئة الوضع والبحث عن حل مستقبلي، وهذا مشابه لما تم مع أفغانستان”.
وفي الوقت نفسه وصف بريجنسكي كلام رامسفيلد في مقاله أمس بأنه “جنون شامل”.!!
أما هنري كيسنجر فقد قال “إنه يؤيد الإدارة حالياً؛ لأنها تسير في الخيار الوحيد امامها وهو تكوين حكومة تشمل او تعكس التشكيلة العراقية، وأنها تكون جيشاً قومياً لا ينظر اليه على انه ينتمي لطائفة او لأخرى!! ”.
وقال كيسنجر “إن الانسحاب من جانب واحد سيخلق وضعاً خطراً في العراق سيمتد تأثيره من حدود الهند الى حدود اوروبا”.!!
في الوقت نفسه انتقد كيسنجر أفكار ادارة بوش بشكل غير مباشر عندما قال “اننا لا يجب ان نسعى الى ديمقراطية كاملة ومثالية في العراق، لكن الى ايجاد حكومة معقولة تهتم بحقوق الانسان”. وانتقد كيسنجر بشدة الأفكار التي تتحدث عن الانسحاب الأمريكي من العراق أو تحديد جدول زمني للانسحاب.
وعلى أثر تصاعد الهجوم على ادارة بوش والمطالبات بعزل رامسفيلد خرج الرئيس الأمريكي بوش ليتحدث الى الصحافيين في طريق عودته للبيت الأبيض ليعيد التأكيد على ان النصر في العراق سيجعل الولايات المتحدة اكثر أمنا!!، وان لدى واشنطن استراتيجية للنصر!!، وانه تحدث مع زلماي خليل زاد والأخير ابلغه بسير مشاورات تشكيل الحكومة العراقية بشكل جيد.
وركز الرئيس الأمريكي في كلمته القصيرة - التي رفض بعدها الاجابة عن اسئلة للصحافيين - على التأكيد على ان كل ما يشغل باله هو أفراد القوات الأمريكية وعائلاتهم ومقدار النبل والتضحية التي يقدمونها!!.
وحث بوش المسؤولين السياسيين في العراق على تشكيل حكومة “تعكس رغبة الشعب”!!. وقال: “أشجع المسؤولين العراقيين على مواصلة العمل الشاق لتشكيل هذه الحكومة”.!!
وأضاف: “أننا نضع إستراتيجية ستقود الى الانتصار في العراق!!، والانتصار في العراق سيجعله آمناً!!، وسيساعد على إرساء أسس السلام للأجيال المقبلة”.!!
أخبار العراق
بريجنسكي: نصر بوش استعمار وكلام وزير الدفاع جنون!!
