هيئة علماء المسلمين في العراق

على ماذا يتناطح قادة العملية السياسية في العراق؟ جمال محمد تقي
على ماذا يتناطح قادة العملية السياسية في العراق؟ جمال محمد تقي      على ماذا يتناطح قادة العملية السياسية في العراق؟	   جمال محمد تقي

على ماذا يتناطح قادة العملية السياسية في العراق؟ جمال محمد تقي

لم ينجلِ غبار انسحاب القوات الأمريكية من العراق بعد، حتى تصاعد غبار التناطح المشع تخندقا بين شركاء العملية السياسية التي استخلفها المحتل الأمريكي لحكم العراق، ليغطي على كل الأغبرة المشعة منها وغير المشعة، والتي يكتظ بها الوضع القائم في العراق، والذي لا يبشر إلا بالمزيد من الأغبرة الهابة على بلاد اجتيحت مصداتها من كل حدب وصوب! إذا كان لجمهوريتهم المفدرلة دستور يفتخرون به، وعملية سياسية وطنية وديمقراطية كما يدعون، وإذا كان الشعب، كل الشعب، معهم بدليل الملايين التي صوتت لهم كما يدللون، وإذا أقاموا قواعد ثابتة لدولة القانون كما يرددون، وإذا هم مخلصون للشعارات التي يرفعون، إذن على ماذا يتناطحون؟!

إذا كان جميعهم متفقين على إدانة الأعمال الإرهابية التي تريد إشعال حرب طائفية في العراق، والتي تشنها خلايا القاعدة العابرة للحدود بالتناغم مع اختراقات المجندين من أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية الساعية لنفس الهدف، وإن اختلفت المنطلقات، فلماذا يرهب بعضهم بعضا؟

"التحالف الوطني" الذي انحدر للسلطة منه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، يطرح نفسه أمام نفسه وأمام الآخرين كواجهة تمثل شيعة العراق، وهو يسعى لتكتيل الشيعة خلفه برغم اختلافات أطراف التكتل ذاتها على نسب حصصها، والتحالف الكردستاني ممثلا احتكاريا لأكراد العراق، أما تحالف العراقية فتتخندق به الواجهة السنية، برغم أن رئيسها علاوي ليس بسنّي، وبرغم وجود حالة من التطعيم الطائفي التي أعطت تحالفه نوعا من التميز، هذه الاصطفافة الطائفية والعنصرية السائدة، هي بمثابة دستورغير مكتوب للعملية السياسية التي أقامها بريمر، وهي سارية المفعول منذ أيام مجلس الحكم وحتى الآن، على اعتبار أن هؤلاء هم من يمثلون مكونات العراق، وبالنتيجة لا نجد من يمثل المواطن العراقي باعتباره إنسانا ينتمي إلى هذه الأرض المسماة عراق، وله حقوق وعليه واجبات، بمعزل عن أي هوية أخرى.

بسبب من النزعة الاستقلالية المعلنة والمصحوبة بالضمانات الأمريكية فإن التحالف الكردستاني ليس بغريم مباشر للتحالف الوطني أو تحالف العراقية، إلا فيما يخص المناطق المتنازع عليها وحصصه من واردات النفط، ولذلك ليس له تطلع ندي للإمساك بتلابيب الحكم في بغداد.

أما التحالف الوطني والعراقية فهما يتنازعان على حكم بغداد، وبالتالي حكم ما تبقى من العراق السني الشيعي، ويبدو أن تحالف العراقية قد اقتنع بأن أي انتخابات قادمة، وعلى نفس أسس التمثيل المكوناتي السائد، ستعيد إنتاج نفس النتيجة القائمة حاليا وهذا يعني تواصل الحكم من نفس الكتلة المكوناتية المتحولة إلى كتلة برلمانية! مما يعني حكم دائم للتحالف الشيعي وإن اختلفت تسمياته أو اختلفت أسماء رؤساء الوزراء المنحدرين منه- جعفري أو مالكي أو عادل عبد المهدي أو بيان جبر- لذلك راحت أبرز قيادتها تناور باتجاه إضعاف موقع رئيس الوزراء خشية من نجاحه في تكريس النتيجة المتوقعة لأي عملية انتخابية مستقبلية، وبما يعني منطقيا قمع أي محاولة لتغيير هذا المنوال الواقعي والافتراضي أيضا، بالطرق الانتخابية أو بالطرق الانقلابية.

فعندما نرى الهاشمي مؤيدا ومؤججا للمطالبات بإقامة الأقاليم في المحافظات السنية فإنه يحاول محاصرة رئاسة الوزراء طائفيا بطريقة دستورية، ومن نفس المنطلق يفعل النجيفي أو العيساوي، لأن الأقلمة بالنسبة لهم تعني إضعاف المركز لمصلحة الأطراف، بالضبط كما هو حال إقليم كردستان، وهنا فإن هؤلاء لا يثقون أصلا بوجود مؤسسات دولة حقيقية تتمتع بخاصية فصل السلطات وهذا ما يدلل على هشاشة العملية برمتها، فمن يسيطر على رئاسة الوزراء سيسيطر بالتالي على العصب المركزي للحكم في بغداد، وهو بالتالي يسيطر على الجيش والأمن والمخابرات ورويدا رويدا يسيطر على الإعلام وعلى كل المفوضيات التي يفترض بها الاستقلال التام عن الحكومة، كمفوضية الانتخابات والنزاهة، حتى القضاء بحكم ضعفه البنيوي وتسرب ديناميكية المحاصصات إليه فإنه مؤهل للتبعية الانسيابية للسلطة التنفيذية.

ربما يقول قائل بأن لنظام المحاصصة إيجابية وهي توزيعها للمناصب، وبالتالي منعها لانبثاق سلطة شمولية، لكن واقع الحال يقول بأن صاحب الحصة الأكبر يكون قادرا على جعل سلطته شمولية أيضا، وذلك عندما تطغى حصصه وفي كل المفاصل على حصص الآخرين، فحتى لو كان رئيس الأركان كرديا مثلا ووزير الدفاع سنيا، لكن قيادات العمليات، عمليات بغداد والبصرة والموصل، الذين يرتبطون برئيس الوزراء مباشرة والذي هو نفسه القائد العام للقوات المسلحة، فإنها تجعل منهما مجرد موظفين لا دور حقيقيا لهما!

الأزمة التي تعصف بالعملية السياسية القائمة والتي انبثقت بقوة بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق هي أكبر وأعمق من كونها أزمة الهاشمي المتهم بالإرهاب وأزمة المطلك الذي نحاه المالكي من منصبه، أو أزمة علاوي الباحث عن دور بصلاحيات تناصف صلاحيات المالكي، إنها أزمة منطلقات ومقاصد وغايات ووسائل، فالمنطلقات تغيّب المكون الوطني لمصلحة المكون الطائفي والعنصري الذي يجير هو الآخر لمصلحة من يستعين بالأجنبي لتكريس سلطته وإن على إقليم من أقاليم العراق المفدرل إلى إقطاعيات تحاكي زمن ما قبل قيام الدولة الوطنية، وبهذا الخصوص فإن ما عند السفير الأمريكي في بغداد وقاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني ما يملي فراغات المعادلة.

لقد بلغ بهم صلف المحاصصة المكوناتية حد سحب نظام التقاسم على الاحتفال بالمناسبات العامة، فللشيعة حصتهم المتمحورة على رزنامة الإمام علي والحسين وآل بيته "عليهم السلام" وقبلتها كربلاء والنجف، أما السنة فحصتهم تنحصر في رزنامة النبي "صلى الله عليه وسلم"، وتحديدا مولده وهجرته ووفاته، وقبلتها جامع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان في الأعظمية، وأما حصة الأكراد بالمناسبات المتعاشقة في هوى كل العراقيين فتتجسم باحتكار الاحتفال بعيد النوروز، وكأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليس جدا للحسين! وكأن ربيع النوروز ليس بغداديا ولا بصريا ولا حتى موصليا! هذا الربيع الذي هو "دورة السنة" والذي من أجله كان أجدادنا العراقيون القدامى يوقدون الشموع ويطلقونها مشتعلة على كرب النخيل لتسبح في مياه الفراتين معلنة استبشارها بحلول موسم الخصب والنماء!

ربما يعقدون اتفاقات جديدة بينهم تخفف من حدة التناطح القائم، لكنها لن تكون قادرة على اجتثاثه إلا باجتثاث منطلقات العملية السياسية ذاتها، لقد قال أبناء العراق قولتهم بتلك المنطلقات البائسة ومنذ السنوات الأولى لانبثاقها، قالها عثمان العبيدي على جسر الأئمة، وقالها قيصر الجنابي، وقالها اليوم نزهان الجبوري وعلي السبع، وقالها كاكة حمة، وقالتها قبل هؤلاء جميعا مقاومة شعبنا الباسلة لكل أشكال الاحتلال والتقسيم.

أضف تعليق