يتمتع الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بمنزلة روحية وسياسية متميزة في صفوف المقاومة الفلسطينية، وهو ما جعل منه واحدا من أهم رموز العمل الوطني الإسلامي في فلسطين طوال القرن الماضي، كما يعد من أكثر القادة الفلسطينيين الذين نالوا احترام وولاء معظم الفلسطينيين ومعظم القادة والزعماء في العالم.
ولد أحمد إسماعيل ياسين عام 1938 في قرية الجورة، قضاء المجدل جنوبي قطاع غزة، التحق الشيخ الشهيد أحمد ياسين بمدرسة "الجورة "الابتدائية وواصل الدراسة فيها إلى الصف الخامس حتى النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها فلجأ مع أسرته إلى قطاع غزة بعد حرب العام 1948 وكان عمره آنذاك 12 عاما.
عانت أسرة الشيخ الشهيد كثيرا - شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك - وذاقت مرارة الفقر والجوع والحرمان، فترك الشيخ الشهيد الدراسة لمدة عام في سنة 1949 ليعيل أسرته المكونة من سبعة أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم الفول في غزة، ثم عاود الدراسة مرة أخرى.
تعرض لحادث في شبابه أثناء ممارسته للرياضة، نتج عنه شلل جميع أطرافه شللاً تاماً، وعلى الرغم من انه استمر حتى وفاته إلا أنه لم يؤثر في شخصية الشيخ الشهيد، ولم يقلل من حماسه وتوقد ذهنه وذكائه فاستخدمها في سبيل القضية الفلسطينية، وفي سبيل الدفاع عن الأقصى المبارك والقدس الشريف.
وقد كان الشيخ الشهيد يعاني كذلك - فضلا عن الشلل التام - من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى بعدما أصيبت بضربة أثناء جولة من التحقيق على يد المخابرات الصهيونية في مدة سجنه، وضعف شديد في قدرة إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين وبعض الأمراض والالتهابات المعوية الأخرى!!....
أنهى الشيخ الشهيد الرمز أحمد ياسين دراسته الثانوية في العام الدراسي 1957/1958 ونجح في الحصول على فرصة عمل على الرغم من الاعتراض عليه في البداية بسبب حالته الصحية، فعمل مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية وكان معظم دخله من مهنة التدريس يذهب لمساعدة أسرته، ثم عمل خطيباً ومدرساً في مساجد غزة، وأصبح في ظل الاحتلال أشهر خطيب عرفه قطاع غزة لقوة حجته وجسارته في الحق.
شارك الشهيد الشيخ الرمز وهو في العشرين من العمر في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجا على العدوان الثلاثي الذي استهدف مصر عام 1956 وأظهر قدرات خطابية وتنظيمية ملموسة الأمر الذي لفت إليه أنظار المخابرات المصرية العاملة هناك، فعرضه ذلك للاعتقال أكثر من مرة عام 1965م إبان الضربة القاسية التي تعرض لها الإخوان المسلمون في مصر وقطاع غزة.
وفي العام 1968م اختير الشيخ أحمد ياسين لقيادة الحركة في فلسطين فبدأ ببناء جسم الحركة، فأسس الجمعية الإسلامية ثم المجمع الإسلامي، وكان له الدور البارز في تأسيس الجامعة الإسلامية، وبدأ التفكير للعمل العسكري.
اعتقل الشيخ أحمد ياسين عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة، وتشكيل تنظيم عسكري، والتحريض على إزالة الدولة العبرية من الوجود، وقد حوكم الشيخ أمام محكمة عسكرية صهيونية أصدرت عليه حكماً بالسجن لمدة 13 عاماً، ولكن أفرج عنه عام 1985م في إطار عملية تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
أسس الشيخ أحمد ياسين مع مجموعة من النشطاء الإسلاميين الذين يعتنقون أفكار الإخوان المسلمين تنظيماً إسلامياً أطلق عليه أسم ( حركة المقاومة الإسلامية ) "حماس" في قطاع غزة في العام 1987، وكان له دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك واشتهرت بانتفاضة المساجد، ومنذ ذلك الوقت والشيخ ياسين يعد الزعيم الروحي للحركة.
داهمت قوات الاحتلال الصهيوني منزله أواخر شهر آب/ أغسطس 1988، وقامت بتفتيشه وهددته بدفعه في مقعده المتحرك عبر الحدود ونفيه إلى لبنان، وفي ليلة 18/5/1989 قامت سلطات الاحتلال باعتقال الشيخ أحمد ياسين مع المئات من أبناء حركة "حماس" في محاولة لوقف المقاومة المسلحة التي أخذت آنذاك طابع الهجمات بالسلاح الأبيض على جنود الاحتلال ومستوطنيه، واغتيال العملاء.
وفي 16 أكتوبر 1991م أصدرت إحدى المحاكم العسكرية حكماً بسجنه مدى الحياة فضلا عن 15 عاما أخرى، وجاء في لائحة الاتهام أن هذه التهم بسبب التحريض على اختطاف وقتل جنود إسرائيليين، وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني.
وفي أكتوبر 1997م أفرج عنه في عملية تبادل أخرى جرت بين الاردن وإسرائيل في أعقاب المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة عمان وإلقاء السلطات الأمنية الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد سلمتهما لإسرائيل مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، فعادت إليه حريته منذ ذلك التاريخ، وتوجه الشيخ بعدها إلى الأردن للعلاج، وقام بزيارة العديد من الدول العربية والإسلامية، فاستقبله بحفاوة زعماء عرب ومسلمون وقيادات شعبية ونقابية، ومن بين الدول التي زارها السعودية وإيران وسوريا والأمارات.
عمل الشيخ المجاهد الشهيد الرمز على إعادة تنظيم صفوف حركة "حماس" من جديد عقب قيام أجهزة امن السلطة الفلسطينية بتفكيك بنى الحركة، وشهدت علاقته بالسلطة الفلسطينية فترات مد وجزر، ووصلت الأمور أحيانا إلى فرض الإقامة الجبرية عليه وقطع الاتصالات عنه.
وفي شهر مايو عام 1998 قام الشيخ أحمد ياسين بحملة علاقات عامة واسعة لحماس في الخارج نجح خلالها في جمع مساعدات معنوية مادية كبيرة للحركة، فأثار هذا الأمر إسرائيل آنذاك فقامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية باتخاذ سلسلة قرارات تجاه ما وصفته "بحملة التحريض ضد إسرائيل في الخارج"، واتهمته بان الأموال التي جمعها ستخصص للإنفاق على نشاطات وعمليات الجناح العسكري "كتائب القسام" وليس على نشاطات حركة حماس الاجتماعية في الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع التي تشمل روضات للأطفال ومراكز طبية ومؤسسات إغاثة خيرية وأخرى تعليمية، وسارعت إلى رفع شكوى إلى الولايات المتحدة للضغط على الدول العربية للامتناع عن تقديم المساعدة للحركة، وطالبت بمنع الشيخ ياسين من العودة إلى قطاع غزة، ولكنه عاد بعد ذلك بترتيب مع السلطة الفلسطينية.
وقد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في سبتمبر عام 2003، عندما كان في إحد الشقق بغزة وبرفقته إسماعيل هنية القيادي في "حماس" حيث استهدف صاروخ أطلقته طائرات حربية صهيونية المبنى السكني الذي كان يتواجد فيه فجرح هو و15 من الفلسطينيين إلا أن جروحه لم تكن خطيرة.
استشهد الشيخ المجاهد فجر الاثنين 1 صفر 1425هـ الموافق 22 آذار/ مارس 2004 م لدى عودته من صلاة الفجر حيث استهدفته مروحية اسرائيلية بثلاثة صواريخ، فنال الشيخ أمنيته الغالية في الحياة، وهي الشهادة، بعد سنوات طويلة قضاها في الجهاد والنضال والدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى.
وكانت إحدى المصادر الإعلامية الفلسطينية قد أكدت أن الشيخ أحمد ياسين كاد أن يموت قبل ساعات من اغتيال المروحيات الإسرائيلية له فجر ذلك الاثنين.
وقالت المصادر إنه في مساء السبت قبل اغتيال الشيخ بحوالي 36 ساعة فقط كاد الشيخ احمد ياسين أن يسقط من كرسيه المتحرك بعد أن ألم به التهاب رئوي حاد، عادة ما يصيبه، فأسرع مرافقوه وأولاده الذين كانوا يتحلقون حوله في بيته في حي الصبرة في جنوب مدينة غزة، وأعادوه إلى مكانه الطبيعي.
ومن عوارض الالتهاب الحاد إصابة الشيخ ياسين بضيق تنفس يجعله عاجزا عن الكلام، وما أثار خوف المرافقين وأولاده أنه كان يسمع من صدره من على بعد صوت صفير، فأسرعوا بنقله إلى مستشفى «دار الشفاء» حيث تلقى العلاج، لكنه رفض النوم داخل المستشفى خشية أن يستهدفه العدو الصهيوني داخلها وهي مكتظة بالمرضى الفلسطينيين في جميع الأقسام فيستبب في وقوع مجزرة صهيونية داخل المستشفى.
وعلى الرغم من أنه ظل يعاني إلا أن مرافقيه أصروا على إخراجه من المستشفى والتوجه به إلى المنزل بعد أن لوحظت تحركات عسكرية نشطة لجيش الاحتلال قبالة الشاطئ الذي يبعد اقل من نصف كيلومتر وفي محيط مستوطنة نيتساريم القربية.
وأضافت صحيفة (فلسطين اليوم) أن الذين شاهدوا الشيخ في هذا الوضع أكدوا أن الشيخ كان يوشك على الموت، وأنه كان في حالة صحية سيئة جدا، ولم يستطع النوم للحظة واحدة بسبب المعاناة الناجمة عن ضيق التنفس.
وصبيحة يوم الأحد أي قبل اقل من 24 ساعة على اغتياله، التزم الشيخ المنزل، وظل في حالة صحية بالغة الصعوبة، ولم يستطع تناول الطعام على الرغم من اضطراره إلى تناول بعض العقاقير المهدئة لنوبات ضيق التنفس التي لم تفارقه طوال الوقت، ولاحظ مرافقوه طوال نهار يوم الأحد نشاطا غير عادي لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية بدون الطيار فوق حي «الصبرة» الذي يقع في أقصى جنوب المدينة أي على مقربة من مستوطنة نتساريم التي كانت تشهد تحركات عسكرية مريبة.
فقرر مرافقوه عدم السماح للشيخ بالمبيت في المنزل الذي يقع في أقصى جنوب الحي، وبعد التشاور معه تقرر أن نقله إلى مأوى آخر بعد أداء صلاة العشاء في مسجد «المجمع الإسلامي» الذي يبعد بضع مئات من الأمتار عن البيت.
وبالفعل نقل الشيخ إلى المسجد حيث أدى صلاة العشاء، لكن بعد ذلك فوجئ المرافقون وأبناؤه بقراره البقاء في المسجد، ولم تفلح محاولات المرافقين والأبناء معه حيث أكد أنه نوى هذه الليلة الاعتكاف في المسجد، وانه لن يغادره إلا بعد أن يؤدي صلاة الفجر.
لم يجد المرافقون بداً من الاستجابة لرغبته في حين عاد أبناؤه إلى منزل العائلة، وظل المرافقون يحيطون به، وعلى الرغم من معاناته الشديدة من ضيق النفس إلا أنه ظل يتهجد ويسبح طوال الليل.
وأكد بعض من كان مع الشيخ أن تحسنا مفاجئا طرأ على وضع الشيخ الصحي قبل حلول موعد أذان الفجر، واخذ يتبادل أطراف الحديث مع مرافقيه ومع أوائل المصلين الذين بدأوا يصلون إلى المسجد لإداء الصلاة ليفاجئوا بوجوده قبلهم في المسجد.
واجل المؤذن إقامة الصلاة بعد أن لاحظ انخراط الشيخ في حديث مع بعض المصلين وطفل لم يتجاوز التاسعة من عمره حضر للصلاة. وبعد انقضاء الصلاة انطلق به المرافقون إلى منزله بينما كان ولداه وجيران ادوا معه الصلاة يمشون بجواره.
وقبيل لحظات من إطلاق الصاروخ القاتل التفت أحد المرافقين إلى أحد جيران الشيخ ليسأله عن شيء، وما أن استدار ثانية تجاهه حتى كان صاروخ «الهيل فاير» الاول يخترق بطن الشيخ!!.
وكالات
شيخ المجاهدين الشهيد أحمد ياسين مؤسس حماس في ذكرى استشهاده الثانية
