اثبت الايرانيون دهاء سياسياً ملحوظاً في تعاملهم مع الولايات المتحدة الامريكية، وما القبول الامريكي بالعرض الايراني باجراء مفاوضات بين الجانبين لترتيب الاوضاع في العراق الا الحلقة الاحدث في هذا الاطار.
فايران كانت القوة الاقليمية الاكثر استفادة من الحربين الامريكيتين في العراق وافغانستان، فقد اراحتها الادارة الامريكية الحالية من اهم عدوين، وهما نظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي فشلت في اطاحته على مدى ثماني سنوات من الحرب الطاحنة في الثمانينات، وحكومة طالبان السنية المتطرفة في افغانستان التي هزمت حلفاء ايران في مزار شريف، وقتلت دبلوماسيين ايرانيين في قنصلية ايرانية فيها.
الحوار الامريكي الايراني حول العراق الذي بدأ بدعوة لعقده من قبل السيد عبد العزيز الحكيم رئيس الائتلاف الشيعي الحاكم في بغداد، يشرع التدخل الايراني في العراق، ويجعل من ايران وصياً معترفاً به في الشأن العراقي.
التدخل الايراني في العراق بدأ يأخذ طابعاً ملموساً منذ اليوم الاول للحرب الامريكية، فمعظم حلفاء واشنطن الذين تآمروا معها على غزو العراق واطاحة نظام البعث، كانوا من اقرب المقربين الى ايران، فقوات بدر الميليشيا الرئيسية للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية التي يتزعمها السيد الحكيم تأسست وتدربت في ايران، وكانت الحكومة الايرانية تسدد رواتبها من خزينة الدولة، والشيء نفسه يقال عن حزب الدعوة.
وربما يفيد التذكير بان الدكتور احمد الجلبي المحرض الابرز علي غزو العراق اتهمته الادارة الامريكية بالعمالة لايران، وقالت انه سلم الشيفرة السرية للاتصالات الامريكية الى حكومة طهران، واغارت على مكاتبه وصادرت محتوياتها.
وفي ظل هذه الحقائق كان من المتوقع ان تنجح الميليشيات الشيعية المدعومة من ايران في اختراق قوات الامن والحرس الوطني، وتحكم السيطرة عليها، بحيث تجعل منها قوات تخدم مصلحة الائتلاف الشيعي فقط وليس العراق برمته. وتتحول الى ورقة ضغط قوية في يد ايران تستخدمها في الوقت المناسب لمساومة الادارة الامريكية.
ويبدو ان الوقت المناسب قد جاء فعلاً، فالعلاقات الامريكية الايرانية تزداد توتراً بفعل البرنامج النووي الايراني، وفشلت التهديدات الامريكية بضرب ايران في دفع حكومتها للتراجع والتخلي عن طموحاتها النووية، وازاء اقتراب الطرفين من حافة المواجهة العسكرية، اصبح الظرف ملائماً لعقد صفقة على حساب العراق والقوى الاخرى فيه، وبعضها قوى شيعية.
وربما نقف الآن امام مقايضة غير مسبوقة، اي ان تتخلى ايران عن طموحاتها النووية ولو مؤقتاً مقابل ان تحقق كل طموحاتها الاقليمية في السيطرة على العراق، وبمباركة امريكية، ومساندة من السيد الحكيم الرجل الاقوى في الائتلاف الحاكم حالياً.
واذا حدثت هذه المقايضة فعلاً، فان ايران ستتحول الى القوة الاقليمية الاعظم في المنطقة، ليس من حيث كونها تتحكم باكبر احتياطات نفطية (العراق وايران) وانما في منطقة الخليج والجزيرة العربية بأسرها حيث يوجد ثلثا احتياطات النفط في العالم.
القدس العربي
مقايضة أمريكية إيرانية على العراق!!
