مرت هذه الأيام الذكرى الثالثة للحرب الأمريكية على العراق، وصار بوسع المعنيين أن يقفوا أمام الحدث ليحللوه من جوانبه كافة لا سيما وهو حدث بالغ الأهمية في التاريخ الحديث، ليس لجهة خصوصيته وخصوصية البلد المعني فحسب، بل لدلالاته وتأثيراته الإقليمية والدولية أيضاً.
واللافت أننا إزاء فشل أمريكي لن يتمكن السيد جورج بوش الابن من تزيينه حتى لو استعان بكل شياطين الجن والإنس وبكل قواميس البلاغة!!. لن يكون بوسعه أن يقنع عاقلاً في هذا العالم، فضلاً عن مواطنيه، أن الحرب على العراق قد ملكت مبرراتها الحقيقية، أو حققت أهدافها المعلنة، لا سيما بعد انكشاف الكذبة الكبرى المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، يتبعها الفشل الذريع في خلق نموذج ديمقراطي في العراق يمكن تكراره في المنطقة.
للمشهد ثلاثة أبعاد أساسية:
يتعلق الأول بالداخل الأمريكي ونظرته للعبة برمتها، أما الثاني فيتعلق بحصاد العراق والعراقيين، فيما يتعلق الثالث بالوضع العربي والإقليمي.
بالنسبة للبعد الأول: ها هي أمريكا تخسر ما يقرب من 300 مليار دولار، وإلى جانبها ما يقرب من 25 ألفاً من مواطنيها بين قتيل وجريح ومعاق، فيما تخسر الكثير من سمعتها وصورتها بسبب مسلسل لا يتوقف من فضائح الرشاوى والتعذيب، فضلاً عن تراجع وضعها السياسي، حيث اضطرت للتنازل عن كثير من مكتسباتها في الساحة السياسية الدولية من أجل توفير مزيد من الإجماع على وضعها في العراق.
ولا تسأل بعد ذلك عن فشل المشروع بصيغته التي نظّر لها رؤوس المحافظين الجدد الذين أخذوا يرتدّون عن الفكرة، كما فعل مؤخراً غير واحد منهم، مثل فوكوياما وآخرون، في حين يطالب رمزهم المناوب في العراق زلماي خليل زاد الشعب الأمريكي بمزيد من الصبر؛ لأن الوضع بالغ التعقيد!!.
تلك خلاصة بالغة الأهمية بعيداً عن التفاصيل الكثيرة المتعلقة بالأرقام التي يمكن لملف من النوع الذي نساهم فيه أن يتعرض لها، لكن ما يعنينا هو أن كثيراً من مكتسبات الولايات المتحدة التي تحققت في عهد الرئيس السابق كلينتون قد تبخرت، سواء أكانت تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي المرتفع الذي تحقق أم تلك المتعلقة بمعادلة العلاقة مع المنافسين الكبار.
وقد يقول قائل إن تلك العلاقة قد اضطربت خلال الولاية الأولى لبوش، إلا أنها عادت وتحسنت خلال العهد الثاني، وهو قول صحيح نسبيا، لكن ذلك لم يكن بلا ثمن، إذ دفعت أثمان كبيرة للصين وروسيا والأوروبيين، لا سيما فرنسا، وبالطبع في سياق توفير المزيد من الإجماع على الملف العراقي.
أما على صعيد دول المنطقة، فما من شك في أن صورة الولايات المتحدة قد تضررت وازداد العداء لها في أوساط الشعوب، وكذلك على الصعيد الإقليمي، وحيث تضررت أيضاً محاولات ضرب المساعي الإيرانية لامتلاك التكنولوجيا النووية، وها هي أمريكا تجد نفسها أسيرة النفوذ الإيراني في العراق.
وفي حين يبدو الوضع العربي الرسمي متراجعاً أمام الولايات المتحدة هذه الأيام، الأمر الذي انسحب بقوة على الملف الفلسطيني على وجه الخصوص، من خلال التهدئة ومن خلال دعم برنامج شارون للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، الأمر الذي سينسحب غالباً على الانسحاب القادم من الضفة الغربية، إلا أن ذلك وضع لن يطول بحسب أرجح التقديرات، وبالطبع بسبب استمرار الفشل من جهة، وبسبب تراجع إمكانية استخدام سيف "الإصلاح" بعد أن تبين أن البديل القادم هو الإسلام الراديكالي من جهة أخرى!!.
هكذا أرادوا العراق محطة لإعادة تشكيل المنطقة، ومنطلقاً لحرب طويلة على الإرهاب تشبه الحرب الباردة ضد الشيوعية، فكانت النتيجة مزيداً من انحياز الأمة لدينها الذي أريد استئصاله تحت تلك اللافتة.
أما ما تسميه واشنطن الإرهاب، فقد صار العراق مصدّراً له وليس مجرد مستورد كما كان الحال في العامين الأولين، إذ توافد إلى العراق الكثير من محبي الجهاد، مع أن مصطلح العائدين من العراق لن يتوفر في الغالب، كما هو حال العائدين من أفغانستان، إذ يبدو العراق محطة سفر في اتجاه واحد في أغلب الأحيان.
وفي حين أرادوا الغزو محطة لضرب إيران وسوريا وغيرها.. كما أشرنا، ها هم يستجْدُون الحوار معها، أقله بخصوص الشأن العراقي، أما سوريا فقد غدت في وضع مريح بعد نتائج الانتخابات الفلسطينية، وتحسن وضع حلفائها في الساحة اللبنانية.
والنتيجة أن مشروع إعادة تشكيل المنطقة قد غدا هباءً منثورا، فيما تحول العراق إلى نزيف مالي وبشري وسياسي متواصل لا يعرف متى ينتهي، لسبب بسيط هو أن جورج بوش قد غدا مثل المقامر الذي يخسر ويخسر لكنه يزداد تشبثاً بالبقاء على الطاولة!!. ألم يتحدث إلى الأمريكيين بمناسبة الذكرى الثالثة للغزو عن مقاومة إغراء الانسحاب من العرق قبل إكمال المهمة ؟!
ولكن ماذا بالنسبة للعراق والعراقيين؟
لو سألت العراقيين اليوم عن الواقع الذي يعيشونه لانقسموا في الإجابة، فالأكراد فرحون بما جرى ويجري، إذ تخلصوا من صدام فيما القتل بعيد عن ساحتهم. أما العرب السنة، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا منحازين للوضع السابق كما روج ويروج رموز الشيعة القادمون من الخارج، إلا أنهم يشعرون أن ما كان خير مما هو قائم. ويبقى الشيعة أو الجزء الأكبر منهم، ممن يعتقدون إن أي شيء مهما كانت بشاعته يظل أفضل من صدام وعهده!!.
على أن ذلك لا يغير في حقيقة ما فعل الاحتلال بالعراق، فقد جاء إلى بلد موحد يتزوج فيه الشيعة السنة والأكراد والتركمان من بعضهم البعض. جاء ليحوله إلى مزق طائفية، تتهدده الحرب الأهلية وتلوح في أفقه نذر التقسيم.
أما النموذج الديمقراطي المزعوم، فهو نموذج طائفي مقيت يرتد الناس فيه إلى فئات يستبيح بعضها دم بعض، في وضع لم يعرفه العراق منذ تأسيس دولته الحديثة. ولا ندري هل هذا النموذج الطائفي والعرقي هو الذي يبشرنا به السيد جورج بوش في سائر المنطقة؟!
بعد ثلاث سنوات من غزو العراق تتجلى معالم الفضيحة الكبرى التي ستبقى وصمة عار في جبين جورج بوش ومحافظيه الجدد، ليس لما أفرزته من تداعيات مرة على الواقع العراقي فقط، ولكن بما جلبته وستجلبه من مصائب على حاضر الولايات المتحدة ومستقبلها أيضاً. وذاك لعمري هو الجانب المشرق في المسألة!!.
وكالات
حقيقة الفشل الأمريكي في الذكرى الثالثة لغزو العراق.. ياسر الزعاترة
