هيئة علماء المسلمين في العراق

الأقاليم وعجلة التقسيم في العراق... د. خالد المعيني
الأقاليم وعجلة التقسيم في العراق... د. خالد المعيني الأقاليم وعجلة التقسيم في العراق... د. خالد المعيني

الأقاليم وعجلة التقسيم في العراق... د. خالد المعيني

لا يمكن تفسير تصاعد دعوات إعلان الأقاليم في بعض محافظات العراق على أنه من قبيل المصادفة أو يشكل رد فعل على ممارسات الحكومة المركزية، فتوقيت هذه الدعوات وتزامنها مع الانسحاب العسكري الأميركي والطابع المناطقي والطائفي لهذه الدعوات يضع أكثر من علامة استفهام، لا يمكن الإجابة عنها ما لم تتم قراءة الخارطة الإقليمية عموماً، وحمى ما يجري من استعدادات في المنطقة العربية خصوصا، حيث تجري على قدم وساق عمليات تفكيك هذه المنطقة وإعادة تركيبها وفق أسس وقواعد جديدة لإدارة الصراع تفي بمتطلبات ثوابت السياسة الخارجية الأميركية المتمثلة بالسيطرة على النفط وضمان أمن إسرائيل.

ففي ظل اختلال التوازن الإقليمي العربي الذي كان العراق يشكل حجر الزاوية فيه، مقارنة بالقوى الإقليمية التي وجدت في احتلال العراق فرصة لتحقيق اندفاعات في العمق العربي، وخاصة أن بعض هذه الدول راغب أصلا في الانخراط بهذه المخططات بل إن بعضها أصبح الوكيل الحصري للولايات المتحدة وإسرائيل للتسريع بعمليات تفكيك المنطقة وإعادة إنتاجها وفق الرؤيا الأميركية الجديدة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة التي تبنت نظرية صامئيل هنتكتون في كتابه صراع الحضارات، القائمة على رسم خطوط تقسيم جديدة للصراعات القادمة تجري على أسس طائفية أو عرقية وليس أيديولوجية.

من جهتهم فإن بعض أقطاب العملية السياسية الجارية في العراق والذين يديرون البلاد أصلا وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والعنصرية طبقا لمواد الدستور النافذ بعد الاحتلال، لم يتأخروا كثيراً عن الاستجابة لمتطلبات المخطط الأميركي حيث تسابق الجميع بعد الانسحاب الأميركي للتكشير عن أنيابهم وإعلان الاصطفاف مع هذا المعسكر الإقليمي أو ذاك، تحت ذريعة الحق في إعلان الأقاليم التي تشكل في حقيقتها استجابة واضحة واستكمالاً للترتيبات النهائية لمنضدة الرمل التي تديرها دوائر التخطيط الأميركية الإسرائيلية، ويجري إعدادها ظاهرياً على يد وجوه عربية وأموال دويلات – مدن عربية وتحت ستار مؤسسات نظام رسمي عربي يتمثل بجامعة الدول العربية التي لم تنشط أو تدافع عبر تاريخها عن حقوق الشعب العربي كما تنشط هذه الأيام، وذلك لأن الأمر يتعلق بتقسيم وتفتيت الدول العربية، ونجدها لا تتوانى عن عرض خدماتها والإعلان عن جهوزيتها دون حياء لإعطاء الشرعية للتدخل الأجنبي والعدوان بخلاف مواثيقها ومعاهداتها.

إن دعوات الأقاليم التي تمثل إشارة البدء لتقسيم العراق إنما تعني تفجير المنطقة برمتها على أسس طائفية وعرقية وهو هدف إسرائيلي بامتياز يمثل في حالة نجاحه انتصاراً استراتيجياً لها في منحنى الصراع العربي الصهيوني، هذا من جهة ومن جهة أخرى تثبت هذه الدعوات عن طبيعة وحقيقة ولاءات وانتماءات الساسة العراقيون الذين يتبنونها والذين لم يبق شيء يتاجرون به سوى بيع العراق والمساومة على وحدته أرضا وشعبا وتدمير هويته العربية والإسلامية وذلك إرضاءً للغرب وأميركا من جهة وإرضاءً لمرجعياتهم الإقليمية التي تريد خوض صراعاتها وتصفية حساباتها والتمدد على حساب الشعب العربي والعراقي، وكذلك لإرضاء أهوائهم الحزبية الضيقة وأهوائهم الطائفية والعنصرية.

ومن الواضح أن الشعب العراقي بعد تجربة تسع سنوات مريرة في ظل الاحتلال الأجنبي قد أدرك حقيقة مثل هذه الدعوات التي تجري باسم مظلوميته ومن قبل ساسة كانوا خلال هذه الحقبة جزءاً لا يتجزأ من مشروع الاحتلال الأميركي الذي تم دحره على يد هذا الشعب الجريح وبات لزاما على قواه الوطنية المخلصة استكمال النضال لتصفية آثار هذا الاحتلال وانتزاع استقلال العراق والتمسك بوحدته وهويته.

  جريدة الوطن السورية

أضف تعليق