ان أمور الأمم والدول وشؤونها تستقيم وتدوم وتبقى مع العدل، وتضطرب وتزول ولا تدوم مع الظلم، الذي هو ظلمات يوم القيامة، يفسد الحرث والنسل ويمنع الحق عن أهله.
وهذه سنة الله تعالى ماضية لا تتخلف ولا تتبدل مهما تقادمت الدهور أو تأخرت العصور، يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة، وان كانت مسلمة.
قال تعالى: ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا)).
اذ ان الدولة الكافرة قد تكون عادلة بحكامها الذين لا يظلمون الناس، ولا يتظالم الناس فيما بينهم، فهذه الدولة مع كفرها تبقى ولا يهلكها الله تعالى في الدنيا الا إذا أنضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية، وتظالم الناس فيما بينهم، وهذه سنة الله تعالى في هلاك الدولة الظالمة سواء أكانت دولة كافرة أو مسلمة. (عبد الكريم زيدان: السنن الآلهية، ص 122).
قال تعالى: ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)).
قال الرازي: ((ان المراد من الظلم في هذه الآية الشرك، والمعنى: ان الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين، اذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح وعدم الفساد) التفسير (76/18).
وقال القرطبي: (ان الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط) التفسير (114/9).
وقال ابن تيمية: (وأمور الناس انما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وان لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: ان الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة، وان كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وذلك ان العدل نظام كل شيء.
فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وان لم يكن لصاحبها من خلاق - أي في الآخرة - وان لم تقم بالعدل لم تقم، وان كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص (40).
فأمور الناس والدولة تستقيم وتدوم مع العدل والكفر، ولا تستقيم ولا تدوم مع الظلم والإسلام، ولذا فإن الله تعالى يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وان كانت مسلمة.
فيجب على الدولة ان لا تباشر الظلم أو تعين على وقوعه أو تسكت عنه فلا تمنعه، فتتلبس الدولة بالظلم، فيكون سبب هلاكها.
ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة (رضي الله عنها) ان قريشاً أهمها شأن المرأة المخزومية التي سرقت. قال: (أما بعد: فانما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واني والذي نفسي بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
فالظلم يتولد في الدولة والأمة من المحاباة في تطبيق العدل والقانون أو من افعال الحكام المشينة في التستر على الظالمين وحمايتهم واعانتهم والتغافل عنهم وعدم معاقبتهم، فتكثر الجرائم وتشيع الفوضى ويضعف الولاء للدولة وتتزعزع الثقة بها، وتتكون الرغبة في هلاكها واضمحلالها والانتقام منها ولو باستيلاء الغير عليها، ولو كان من اعدائها، وعدم الحرص على بقائها ولا الدفاع عنها حتى تصبح الدولة في نظر الناس عدواً لهم.
وبذلك تهلك الدولة بخراب البلاد اقتصادياً وعمرانياً وعسكرياً واجتماعياً وأمنياً.
قال تعالى: ((وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)).
وقال تعالى: ((سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا)).
قال القرطبي: (فإن الجور والظلم يخرب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها، وترفع من الأرض البركة) التفسير (334/9).
وقال الآلوسي: وروي عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله تعالى ان الظلم يخرب البيوت. وقرأ قوله تعالى: ((فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)). التفسير (215/19).
وهذا كله يوجب عدم الاستكانة للظلم ورده وانكاره، وعدم الاعانة عليه أو الاعانة على بقاء الظالمين في مناصبهم.
قال تعالى: ((وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)).
ما رواه الترمذي عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أنه قال: (يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الناس اذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب منه).
* كاتب إسلامي عراقي
سنة الله في الدولة الظالمة
