هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق القديم.. وداعاً.. عبد الباري عطوان
العراق القديم.. وداعاً.. عبد الباري عطوان العراق القديم.. وداعاً.. عبد الباري عطوان

العراق القديم.. وداعاً.. عبد الباري عطوان

قبل ثلاث سنوات عندما ارسلت الولايات المتحدة قواتها لغزو العراق لم يكن هذا البلد يواجه خطر حرب أهلية، ولا يتواجد على أرضه تنظيم القاعدة، ولا اسلحة دمار شامل، ويتعاون نظامه بالكامل مع فرق التفتيش الدولية التابعة للامم المتحدة. العراق كان يخضع لحصار ظالم، وتقسيم فعلي على الارض، من خلال مناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب، وهو التقسيم الذي مهد للحرب الأهلية الطائفية التي يدعي الجميع الحرص على عدم وقوعها!!.

ثلاث سنوات من الاحتلال لم تجلب للعراق غير مجموعة من اللصوص عاثوا فيه فساداً، وسرقوا ثرواته، ودمروا تراثه، وشوهوا صورته، وفككوا عرى التلاحم بين ابنائه، وأشعلوا نيران الفتنة الطائفية، ومزقوا هويته الوطنية، وحولوه من قوة اقليمية عظمى مرهوبة الجانب الى جثة هامدة تنهشها الضباع والكلاب الضالة.

الدكتور اياد علاوي - احد الأعمدة الرئيسة التي اعتمد عليها المخطط الامريكي لاحتلال العراق جنبا الى جنب مع غريمه الآخر احمد الجلبي - يعترف بأن العراق يعيش الحرب الأهلية فعلا، وان خمسين او ستين جثة يجري اكتشافها يوميا لرجال تمت تصفيتهم في عمليات انتقام طائفية.

في البداية قالوا انهم غزوا العراق بحثا عن اسلحة الدمار الشامل، وعندما لم يجدوها ادعوا انهم يحتلونه من اجل الديمقراطية وانقاذ ابناء الشعب العراقي من القبور الجماعية، وجاءت النتائج فوضى دموية عارمة، وانهيارا كاملا لمقومات الدولة ومؤسساتها، وحفر العشرات من القبور الجماعية لكي تستوعب 100 الف ضحية حتى الآن!!.

اقدموا على حل الجيش العراقي غير الطائفي من أجل أن يؤسسوا جيشاً (عراقياً) من الميليشيات الطائفية الحاقدة المتعطشة للانتقام لكي يسرّع الحرب الاهلية من خلال اقبية التعذيب وفرق الموت، ونسف المساجد، وقتل الأئمة والمتعبدين المؤمنين في رحابها. وليتهم استطاعوا، على الرغم من كل ذلك من فرض سلطتهم على ربع بغداد!!!.

لأول مرة ومنذ سبعة آلاف عام لم يعد هناك انسان عراقي، بل هناك سني، شيعي، كردي، عربي، تركماني، آشوري، كلداني، صابئي، الى آخر التقسيمات العرقية والطائفية التي باتت عنوان الهويات في العراق الجديد!!.

لأول مرة في تاريخ العراق يأتي من يهدد العراقي الشيعي بالموت اذا لم يطلق زوجته السنية، او من يهدد السني بالقتل اذا لم يطلق زوجته الشيعية!!.

العراق بات افضل حالا فعلاً، ولكن بالنسبة لحفنة قليلة جدا من اللصوص الذين جاءوا مع قوات الاحتلال، ونهبوا ثروات البلاد، واحتلوا الوظائف والمناصب، وتاجروا بدماء العراقيين، وتنعموا بأموال العمولات والصفقات الامريكية، اما الغالبية الساحقة من ابناء الرافدين فيتضورون جوعاً، ويعيشون الرعب يومياً، ويغلقون ابوابهم في السادسة مساء، ويتوقعون ان لا يروا اضواء شمس اليوم التالي، ويعتبرون كل يوم يعيشونه انجازا، فالكهرباء منعدمة وثلاجات الموتى في المستشفيات لم تعد تتسع للقادمين الجدد، واسعار زيت الطعام تضاعفت 30 مرة، واسعار البنزين 10 مرات، والسكر 20 مرة!!.

العراق الذي يجري في ارضه نهران يعاني اهله من العطش، ارض السواد التي كانت تطعم سكان الدولة الاسلامية وجوارها باتت غير قادرة على اطعام اهلها. هذا العراق الذي كان يستوعب 5 ملايين من العمال العرب والاجانب باتت نسبة البطالة بين ابنائه تفوق الـ 80 %. وباب الرزق الوحيد هو ميليشيات الموت!!.

يتباهون بمجموعة من الاوراق الصفراء تتراكم على الارصفة، وبعض القنوات الطائفية الهزيلة البائسة، ويقولون ان عراق اليوم يتمتع بالحريات واصبح المواطن فيه يعبر عن رأيه بحرية!!، ونسوا ان معظم هؤلاء الذين يتمتعون بحرية التعبير هذه كانوا من الطابور الخامس الذي عمل مع اجهزة الاحتلال الأمنية، ووظفوا اقلامهم في خدمة مشروعها في احتلال بلادهم، اما العراقيون الشرفاء الذين يجرؤون على رفع صوتهم اعتراضا فليس لهم غير رصاصة في مؤخرة الرأس، والقذف بجثثهم الى اسماك النهر، وأسألوا اطوار بهجت وزملاءها!!.

لم نكن يوما مع الديكتاتورية، ولن نكون، لم نكن يوما مع منتهكي حقوق الانسان ولن نكون، ولكننا كنا وما زلنا مع عراق موحد متآلف متعايش مستقر ديمقراطي، وقوة اقليمية عظمى تستند على ارضية وطنية صلبة في مواجهة كل الاطماع الخارجية المعادية للعروبة والاسلام، وتحقق التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

عراق الأمس كان افضل بكل سيئاته لانه حفظ الحد الادنى من كرامة العراق ووحدته، وحقق لأهله الأمن والطمأنينة، وارسى نهضة علمية، واسس جيشا قويا، وساوى بين ابنائه.

نعم حدثت تجاوزات، وتمت اعدامات، ووقعت عمليات تعذيب للمعارضين الطامحين للاطاحة بالنظام، وهوجمت مدن وقرى تمرد اهلها، ولكن ماذا تفعل القوات الامريكية الآن في سامراء؟!!، وماذا فعلت قبلها في الفلوجة؟!!، وكيف يتعامل حكام المنطقة الخضراء مع خصومهم في اقبية التعذيب تحت وزارة الداخلية وفي سجن ابو غريب؟!!.

نريد كشف حساب بثروات حكام العراق الجدد، وحكام العراق القدامى، نريد من هذا الاعلام العراقي الحر، ان يكشف لنا كيف تعيش اسر رؤساء الوزراء والوزراء في العراق الجديد في لندن وباريس ونيويورك، وكيف يعيش ابناء حكام العراق القديم؟!!، ومن يتصدق عليهم؟!!

نجد لزاما علينا ان نقول الحقيقة دون خوف او جزع، فلم نكن ابداً من زوار بغداد، ولم نعرف شكل كوبونات النفط، نقولها الآن والرئيس العراقي واركان حكمه يقبعون خلف القضبان، ولم نقلها مطلقا وهم في سدة الحكم، ويشد الرحال اليهم الآلاف من طالبي المال والجاه!!.

لا نريد ان يعود العراق الى الديكتاتورية، ولكننا نريده ان يعود لنفسه، الى ماضيه المجيد ليصيغ مستقبلا طاهرا واعدا مشرفا مختلفا، يلفظ كل هذا الغثاء الذي اتاه من الخارج ليمسخ هويته، ويفتت وحدته الوطنية ويقذف به الى اتون الحرب الاهلية الطائفية البشعة!!.

القدس العربي

أضف تعليق