الدكتاتورية مرض فتاك يصيب القادة والمسؤولين، ويجعلهم لا يفكرون بمن حولهم، ويكونون كمن ينسب العصمة لنفسه من الخطأ والزلل،
وهم بذلك يحكمون على أنفسهم بالنهاية المخجلة، بل والقاتلة، وضررهم لا يقع على أنفسهم فقط، بل على من هم في معيتهم من الذين لا يرددون إلا ما يشاء هؤلاء القادة، وعلى بلدانهم التي يحكمونها بالحديد والنار.
والدكتاتورية موجودة في أغلب المؤسسات الإدارية، وليس في قيادة الدول والتحكم بها فقط، وإن كانت تظهر في الحكم بصورة واضحة ومميزة، وهي بعبارة موجزة استخفاف الحاكم، أو المسؤول بعقول من معه، والاغترار بقدرته – منفرداً- على اتخاذ أصعب القرارات، وفي اشد الظروف!
والديمقراطية، وإن كانت مرضاً شخصياً يصيب القادة والمسؤولين، إلا أن المجتمع هو المسبب لهذا الداء؛ لأن هؤلاء الدكتاتورين لا يجدون في حاشيتهم من يفكر - ولو مجرد تفكير- للاعتراض على قراراتهم المهلكة، وهذا الأمر ينطبق على مجلس النواب بالنسبة للقادة، وينطبق – أيضاً- على مجالس الإدارة بالنسبة لمدراء الشركات والمؤسسات، وكذلك الحال في كل تجمع فيه مجالس استشارية وغيرها من الهياكل الإدارية الهادفة لبيان الرأي والمشورة في المواقف الحرجة.
والدكتاتورية تهدف إلى تدجين الآخرين، من القيادات المدنية والعسكرية ضمن منظومة الدولة، وهذا هو الواقع الحقيقي للعراق "الديمقراطي" اليوم في ظل نظام "الدكتاتورية الديمقراطية" الجديدة.
الدكتاتورية في بغداد بعد عام 2003، شملت – مع الأسف الشديد- أغلب المؤسسات الفاعلة في البلاد، ومنها المؤسسات العسكرية، حيث يرفض المالكي تسليم الوزارات الأمنية لأية شخصية خوفاً من الانقلاب عليه من قبل الجيش، أو بدعوى انه لا يريد أن يسيطر على هذه الأجهزة رجال مشكوك بولائهم له!
واختطاف الجيش الحالي عملية مخزية، لا يمكن السكوت عليها؛ لأن هذه المؤسسة هي ملك لجميع العراقيين، وهذا المفهوم لا ترضاه حكومة المالكي الآيلة للسقوط.
وفي سياق عملية الاختطاف هذه احتفلت حكومة المنطقة الخضراء في السادس من هذا الشهر بالذكرى[91] لتأسيس الجيش العراقي، وذلك بحضور المالكي وعدد كبير من الوزراء، وقادة صنوف الجيش والبعثات الدبلوماسية، حيث أقيم الاحتفال بساحة الاحتفالات الكبرى، وبدأ الحفل باستعراض للخيالة العراقية، وتلا ذلك استعراض لبقية صنوف الجيش، وكذلك استعراض للطائرات العراقية في سماء بغداد.
الجيش الحالي لا يمثل في غالبيته الجيش العراقي الوطني السابق، الذي سُرح بقرار من الحاكم المدني بريمر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي عُرف بمواقفه المتميزة في الدفاع عن الشعب وحقوق الإنسان، والوقوف سداً منيعاً بوجه الأطماع المختلفة التي تريد النيل من العراق وسيادته. للأسف الشديد ما نراه اليوم، ما هو إلا مؤسسة عسكرية مختطفة من قبل رئيس الحكومة الحالية، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، تضم في صفوفها نسبة كبيرة من العسكريين هم من المليشيات الموالية له، التي تخلت عن زيها المليشياوي لتظهر للعلن بثياب رسمية، ولتنفذ جرائمها باسم القانون.
مهام الجيش الحالي ليست مهاماً دفاعية لإيقاف الأطماع الخارجية والأجنبية، والتغلغل الإقليمي في عموم البلاد، وإنما الغاية الأولى والأخيرة هي الحفاظ على امن وسلامة المنطقة الخضراء، ومن فيها من رجال العملية السياسية السقيمة، وهذا الدور هو اغتيال لروح الوطنية عند أهم مؤسسة تغييرية في عموم بلدان العالم.
مرحلة الاختطاف التي يمر بها الجيش العراقي اليوم لا يمكن أن تستمر؛ لأنها حالة شاذة، والحالات الاستثنائية الطارئة مصيرها الانتهاء والرجوع إلى الأصل، وحقيقة الجيش العراقي انه جيش وطني عقائدي، انتمائه للعراق والأمة، ولا يمكن لأي دكتاتور - مهما كان جبروته- أن يتحكم به، وسيفاجئنا الجيش الحالي في ساعة من ساعات الأمل القادم في بلادنا المظلومة بالبيان رقم واحد، الذي سيعيد الأمور إلى نصابها، وتبدأ – حينها- مرحلة جديدة من تاريخ العراق، ولا اعتقد أن هذه الساعة بعيدة.
Jasemj1967_(at)_yahoo.com
جيش العراق، أم جيش المنطقة الخضراء؟! جاسم الشمري
