يبدو من الواضح أن ثلاثة أعوام كاملة لم تكن كافية على الإطلاق من أجل أن يلتقط العراق الشقيق أنفاسه السياسية والاقتصادية والأمنية، ويبدأ رحلة العودة إلى الحياة الطبيعية في الساحتين الداخلية والخارجية. وفي الوقت الذي كنا نتمنى أن تمر الذكرى الثالثة لبداية الغزو العسكري الأنجلو أمريكي في العشرين من شهر مارس/ آذار
ونحن نشهد العراق وقد تعافى من آثار الغزو الجائر ووضع أقدامه على منصة الانطلاق نحو المستقبل الواثق، فإن الأسى يتملكنا حين نرى أن هذه الذكرى الأليمة تصادف هذه الأيام تصاعد موجات العنف، سواء تلك التي ترتكبها جماعات الفوضى ضد الأهداف المدنية، أو تلك التي تشنها قوات الاحتلال الأجنبي ضد جيوب الناشطين في سامراء حالياً.
ليست قصة العراق خلال الفترة التي سبقت الغزو وإلى اليوم سوى سجل بائس من الخزي والفشل، ساهمت في تسطيره أطراف عديدة، عربية وأجنبية. وبعد أن نكتشف أن الاطاحة بنظام الحكم الاستبدادي الذي كان يقوده صدام حسين من جهة، واجهاض فرص استدامة أمد ذلك النظام من خلال توريث السلطة من جهة أخرى، هما الجانبان الايجابيان الرئيسيان في قصة غزو العراق، فإن المرء لا يملك سوى أن ينفض يديه بعد أن يعجز عن تلمس أية ايجابيات أخرى، ويحتار في تحديد أي من السلبيات العديدة التي تنطوي عليها القصة العراقية والماثلة أمامه هي الأكثر خطورة، ويستسلم أمام تحدي تقرير أي من مشكلات العراق هي الأسهل في المعالجة، ويتألم حين يفشل في معرفة كيف يمكن استثمار الجانبين الايجابيين اليتيمين من أجل مواجهة تلال التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية في القطر العراقي.
كان أمراً مخزياً حقاً أن تطغى نزعة التحطيم لدى ثلة من المحافظين الجدد (مع اعتذارنا للفكر المحافظ الأصيل) التي سيطرت على مراكز مهمة من عملية صنع القرار الخارجي الأمريكي على الكيفية التي تمت من خلالها معالجة ملف العراق، وكان معيباً بالنسبة لنظام الحكم في الولايات المتحدة أن ترتكب هذه الثلة من الانتهازيين سلسلة من عمليات التدليس والتضليل المنظمة. وتقود مسألة برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية في متاهات الساحة الداخلية الأمريكية ودهاليز المحافل الدولية، مستخدمة في ذلك مزيجاً من عناصر الترهيب والترغيب، والابتزاز والتزييف. لقد عطل هؤلاء المحافظون الجدد آليات الدبلوماسية السلمية في المسألة العراقية من أجل أن يحققوا هدفهم في تحطيم العراق، وفق استراتيجيات وعناوين تعبر عما فيها من هول وجور، مثل “الصدمة والترويع” و”الفوضى البناءة”، وغيرهما، ونجحوا في تجنيد ولاء وتعاون زعيم الدولة العظمى الآفلة، توني بلير، وراء برنامجهم العدواني تجاه العراق.
لقد كان مجمل قرار الغزو العسكري للعراق خطيئة فادحة، ولكن بعد أن تكشفت أبعاد الأكاذيب التي بنت على أساسها الحكومتان الأمريكية والبريطانية قرار الغزو، لم تتردد هاتان الحكومتان في التذرع بأن المعلومات الاستخباراتية “الخاطئة” بشأن قدرات العراق النووية والتي بدت بالنسبة لهم في حينها “موثوقة” هي المسؤولة عن اتخاذ قرار الغزو. إن تدمير حاضر وتعطيل مستقبل دولة بأكملها كان بمثل البساطة التي جرى بها بالنسبة لواشنطن ولندن، ولا يتطلب من بوش وبلير الاعتراف بأن الحرب على العراق كانت أكثر من مجرد خطأ، ويبدو أن المطلوب من العالم بأسره أن يتقبل إعلان الأول أن التاريخ كفيل بمحاكمته واعلان الثاني أن الله وحده سوف يحاسبه.
ولم ينافس أداء الخزي الأمريكي في الملف العراقي من حيث التردي سوى الأداء العربي، السياسي والدبلوماسي، قبل الغزو وبعده. فافتقار الطرف العربي للقاطرة الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الحقيقية، سواء في صورة دولة عربية قائدة، أو في صورة كتلة من الدول العربية الكبرى، أو في صورة منظومة إقليمية عربية متكاملة كتلك التي كان يمكن أن تشكلها جامعة الدول العربية، أسهم في انفراد كل من واشنطن ولندن بالمسائل التي يحتويها الملف العراقي، قبل الغزو وبعده. فالأطراف العربية لم تنجح في إنقاذ الشعب العراقي الشقيق من القبضة الحديدية التي كان نظام الرئيس صدام حسين يطبق بها على رقابهم، تماماً كما هي تعجز الآن عن تخفيف وطأة الاستبداد التي تحيط بواقع أي شعب عربي آخر؛ ولم تنجح هذه الأطراف أيضاً في منع تعرض القطر العراقي للغزو العسكري الأجنبي، تماماً كما تعجز الآن عن حماية أية دولة عربية أخرى من غزو عسكري أجنبي مماثل.
تقف الأطراف العربية شبه عاجزة أمام تحدي تشكيل حاضر العراق ومستقبله، وهي غير ذات فاعلية ملحوظة في تحقيق أهداف تحسين الحالة الأمنية فيه بعد عجزها عن تقرير فيما إذا كان ارسال قوات عربية إليه يصب في مصلحة العراق أم أنه يؤجج عدم الاستقرار. كما أنها غير ذات جدوى في مساعدة العراق في مشروع التنمية السياسية الديمقراطية، إذ إن كافة الدول العربية تفتقر إلى الرصيد اللازم من التجربة الديمقراطية الحقيقية التي يمكن أن تكون ذات منفعة بالنسبة للعراقيين. وليست لدى الأطراف العربية أدوات النفوذ الكافية من المكافآت أو التهديدات التي يمكن أن تستخدمها في مواجهة القوى السياسية والطائفية المتنافسة على مراكز السلطة في العراق، وهي لذلك لا يعتد بها في جهود صياغة الترتيبات المؤسسية السياسية المستقرة فيه.
الأخطر من ذلك، لا يبدو أن الأطراف العربية تمتلك الحس الاستراتيجي الذي يمكن أن يستفز مخاوفها المصيرية، ويحفزها على مغادرة مزاج السلبية وعقلية عدم الاكتراث تجاه المسألة العراقية، ويدفعها بالتالي إلى محاولة التفاعل بالإيجابية النشطة مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يغرق فيها العراق، سواء بهدف تقديم طوق النجاة للقطر العربي الشقيق، أو بهدف احتواء التغلغل الأجنبي بكافة أنواعه فيه، أو بهدف إنقاذ المنظومة العربية بأسرها من المخاطر التي يمكن أن يجرها تفكك العراق، أو استدامة عدم الاستقرار فيه، أو سقوطه في هاوية الحرب الأهلية. لقد مارس المجتمع الدولي سياسة التشفي وهو يقف متفرجاً على تخبط واشنطن في المستنقع العراقي ومعاناتها فيه لمدة ثلاثة أعوام، ولا شك في أن هذه الدول روّحت عن نفسها بمشاهدة الدولة العظمى تدفع ثمن الهيمنة والعنجهية، ولكن صار من واجبنا القول يكفي “تشفي”، وحان وقت العمل من أجل انقاذ العراق والعراقيين.
غزو العراق.. بئس الذكرى... د. علي الغفلي
