هيئة علماء المسلمين في العراق

معضلة المواطن «اكس».. أسامة الشريف
معضلة المواطن «اكس».. أسامة الشريف معضلة المواطن «اكس».. أسامة الشريف

معضلة المواطن «اكس».. أسامة الشريف

قبل ايام من احتفال التونسيين بالذكرى الاولى لثورتهم اضرم تونسيان النار في نفسيهما في حادثين منفصلين، الاول بسبب البطالة والثاني احتجاجا على سوء اوضاعه الاجتماعية. وهنا ايضا احرق رجل ثان نفسه في عمان بعد اقل من اسبوع على اضرام آخر النار بنفسه بسبب تردي الاحوال الاقتصادية للاثنين. وفي العراق مؤخرا عرض رجل نفسه للبيع في مزاد علني مفتوح شريطة ألا يكون المشتري عربيا او مسلما او مقيما في بلد عربي! وعلل قراره بقوله أن الإنسان الذي يولد على أرض العراق ليست له أي قيمة. وفي السعودية عرض مواطن سعودي طفله الذي لم يتجاوز عامه السادس للبيع بمبلغ 20 مليون دولار لأي ميسور يرغب في شرائه بسبب الفقر الذي يعيشه. وحتى قبل ثورة 25 يناير في مصر كنا نسمع عن تجارة الاعضاء البشرية الرائجة حيث يعرض مصريون كلاهم للبيع نتيجة الفقر والعوز. ولا اظن ان احوال هذه الفئة المسحوقة قد تحسنت كثيرا منذ قيام الثورة.

غياب العدالة الاجتماعية وتدهور الاوضاع الاقتصادية للغالبية العظمى من العرب اينما كانوا من اهم اسباب اليأس الذي يدفع قلة الى الانتحار هربا من واقع مرير. والمرعب ان معظم هؤلاء هم من الشباب او متوسطي العمر الذي يعاني اغلبهم من البطالة والفاقه. هذه الظاهرة التي اختطفت الانظار بعد احراق بائع الخضار محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بو زيد قبل نحو عام، تحولت الى ادانة رمزية للنظم التي فشلت في تأمين عيش كريم لشعوبها في ظل نظام اجتماعي عادل.

واليوم بعد مرور عام على اندلاع اولى الثورات العربية في موسم الربيع العربي يرى كثيرون من قاطني سيدي بو زيد وغيرها ان شيئا لم يتغير. فالبطالة والفقر وغياب العدالة لا تزال تهيمن على حياة الملايين في كل الدول التي شهدت ثورات نجحت في قلب النظام. والطريق نحو بناء مجتمع ديمقراطي يؤمن لشعبه ابسط حقوق المواطنة والحياة الكريمة لا يزال طويلا وشاقا. والثورة لا تنتهي باسقاط النظام وانما تتعرض لامتحان كبير في اليوم التالي وقد يطول الزمن قبل ان يطلق المؤرخون حكمهم عليها.

معضلة المواطن "اكس"؛ وهو العربي المقهور الذي بقي محروما لعقود من ممارسة حقوقه المدنية او التمتع بالرعاية في دولة قوامها العدل والمساوة والمواطنة الحقة، لن تحل في غضون اشهر او سنوات. اما رحلة الثورات العربية التي بدأت للتو فانه من العسير ان نستشرف نهاياتها طالما ان اخطار الانقلاب على الثورة وسرقة انجازاتها وتحويل مسارها لا تزال محدقة. وما يزيد من اعباء الثورة في معظم بلدانها كمصر وتونس والمغرب واليمن تردي الاوضاع الاقتصادية بشكل خطير ما يبدد رومانسية الثورات بانها الدواء الناجع والحل الأكيد لمشاكل المجتمع.

اما هؤلاء الذين يدفعهم اليأس للانتحار او بعرض فلذات اكبادهم للبيع فلا اظن انهم يفعلون ذلك طلبا للديمقراطية أوحق التصويت في الانتخابات. انه الجوع اولا واخيرا وان كان الحل في النهاية يكمن في انجاز نظام سياسي عادل يؤمن الحياة الكريمة للجميع.

يقول سيدنا علي بن ابي طالب: لو كان الفقر رجلا لقتلته، ويقول الفيلسوف ادموند بيرك ان على المجتمع ان يجعل الثورات موئلا للاستقرار لا حواضن لثورات قادمة. لن تهدأ عواصف الثورات العربية الحاضرة والقادمة حتى تنجز المجتمعات العربية نهضة سياسية حقيقية تكون كرامة الإنسان لبنتها الاساس.


صحيفة الدستور الاردنية

أضف تعليق