في القطار، وفي الطريق إلى ميدان البرلمان في العاصمة البريطانية لندن، أكتب بعض الملاحظات باللغة العربية على صفحات كنت قد طبعتها عن المظاهرة وسيرها من موقع \"أوقفوا الحرب\".
تسألني صبية عن اللغة التي أكتب بها، مفسرة فضولها بأنها تدرس في مدرسة ثانوية متخصصة في تدريس اللغات الأجنبية. أعطيها الورق لتقرأه، أسألها عن اسمها فتقول ماريا كانسالا. تستفسر ببعض الأسف عن سير المظاهرة قائلة إنها لم تسمع عنها من قبل، وإنها ستحاول أن تلحق بها بعد الانتهاء مما أتت إلى لندن لأجله.
تنصت إلينا السيدة الجالسة أمامنا باهتمام أسألها: "هل أنت ذاهبة إلى المظاهرة؟". تجيب بلا؛ لأنها ذاهبة إلى اجتماع لكن مديرتها في العمل ذاهبة. أسأل: "لكنك ضد الحرب؟ تجيب "نعم". أسأل: "هل كنت ستشاركين في المظاهرة، لو لم تكوني ملتزمة بالاجتماع؟". تجيب: "ربما".
أقول لنفسي لو كانت هذه عينة عشوائية ممثلة للشعب البريطاني لكانت نسبة المعارضين لهذه الحرب عالية جدا.
أنزل إلى محطة القطارات قبل موعد بدء المظاهرة بساعة فلا أجد لافتة أوعلما أو أي شيء يمكن أن يدل على قيام مظاهرة كبيرة في المدينة، اللهم إلا زيادة نسبة رجال الشرطة في المحطة. لكن هذا أمرا أصبح معتادا، كانت آخر مرة شهدت مثل هذا العدد من رجال الشرطة في المحطة أثناء احتدام أزمة الرسوم المسيئة للرسول.
وفي قطار الأنفاق، في الطريق إلى محطة وستمنستر حيث ميدان البرلمان، أرى الموقف ذاته، وأقارن مع أيام المظاهرات السابقة على الحرب حيث كانت تزاحمك في القطارات الأعلام واللافتات وعربات الأطفال يجرها آباؤهم في الطريق إلى المظاهرة.
أعلو ومن خرج معي من المحطة على سطح الأرض فتلفت نظرنا سجادة حمراء تفترش العشب الأخضر في وسط ميدان البرلمان، هي عبارة عن ألف لوحة من الورق المقوى على كل منها مائة نقطة حمراء كل نقطة تمثل واحدة من الذين قتلوا في العراق.
نرى مجموعة متخفية بأزياء سجناء جوانتانامو، لوحة لمضخة بنزين، ورجلا يوجه خرطوم المضخة كمسدس إلى رأسه. ألتقي خمسة مستنسخين عن "توني بلير" و"جورج بوش" ، ولا عجب، بعد ازدهار تجارة الأقنعة التي تمثل وجوه السياسيين.
ألمح بريان هوو البريطاني الذي يخيم منذ سنوات في ميدان البرلمان احتجاجا على الحرب في العراق، والذي عجزت الحكومة عن إبعاده عن المكان حتى بعد تغيير قوانين التجمهر، فأصبح البريطاني الوحيد المسموح له الآن بإقامة احتجاج في ميدان البرلمان.
يأخذ المتظاهرون في التدفق من الشوارع المحيطة ومن مخارج محطة قطار الأنفاق قرب الميدان، ويصبح المشهد معهودا، غير أن المسيرة التي كان من المفروض أن تبدأ في الثانية عشرة ظهرا لم تتحرك قبل الواحدة والربع بانتظار تجمع عدد أكبر من المتظاهرين.
سارت المظاهرة حتى ميدان الطرف الأغر مارة بالبيكاديلي، أرى اللافتات المعتادة المؤيدة للفلسطينيين والمعارضة للاحتلال الإسرائيلي، وأعلام كوبا ودول أخرى من أمريكا اللاتينية، أرى صور جيفارا دائمة الحضور في مثل هذه المظاهرات، وصورا لضحايا الحرب في العراق.
أسأل رجلا يقف مع سيدة على ناصية الطريق يتفرجان: "هل تؤيد هذه المظاهرة؟"، يقول إن إزاحة صدام حسين عن الحكم كان صوابا، أقول:"حتى مع الأعداد الكبيرة من القتلى من العراقيين؟"، فيرد بأن صدام كان يقتل مثلهم!!.
أسمع في المظاهرة أصوات الطبول تقرع، وشبابا يرقص على دقاتها التي تتداخل مع أصوات تهتف معظمها تطالب باستقالة بلير فورا. ولا تعرف كيف تقدر أعداد المتظاهرين ومن تصدق: تقديرات الشرطة التي تقول إن الرقم يبلغ 15 ألف متظاهر، أم منظمي المظاهرة الذين قدروه بما يتراوح بين 80 ألفا و100 ألف.
يلفت نظري بين المتظاهرين بيتر تاتشل الذي يشن حملة قوية من أجل حقوق المثليين جنسيا، والذي كان من أشد المعارضين لزيارة الشيخ يوسف القرضاوي إلى لندن قبل عامين بسبب موقف القرضاوي من هذه القضية.
يحمل تاتشل لوحة تطالب بمساعدة الإيرانيين على إسقاط نظام آيات الله. أقول له: "ألا تعتقد أن رئيس إيران انتخب بالطرق الديموقراطية؟"، يرد: "تلك الانتخابات مشكوك فيها".
أسأله: "ماذا لو جاء نظام ديموقراطي بالمواصفات التي تريدها، هل تعتقد أن غالبية الشعب الإيراني ستكون مؤيدة لحملتك؟"، فيجيبني بأن النظام الديموقراطي سيكفل الوسائل من أجل الدعوة والسعي إلى تحقيق حريات الجماعات كالمرأة والمثليين جنسيا وهكذا.
نصل ميدان الطرف الأغر فألمح طفلة على صدرها ملصق يقول بالعربية والانجليزية "فلسطين الحرة". والداها يقولان لي "إن ابنتهما واسمها كويفا باسكيتر (عام وأسبوع من العمر) رمز للتضامن الإيرلندي الفلسطيني".
في الميدان ألمح الشيخ حسن الزرقاني مسؤول العلاقات العامة في التيار الصدري في العراق، والموجود في بريطانيا بدعوة من أعضاء في البرلمان منهم جيرمي كوربين (المعارض للحرب على العراق) وذلك للحديث عن الشعب العراقي ومعاناته.
أسأله عن معارضة التيار لما أعلن عن عقد محادثات بين إيران والولايات المتحدة حول العراق فيقول لي: " صحيح أن الإمام قد أبدى بعض الاعتراض، لكن لو كان في هذه المحادثات ما فيه مصلحة العراق فلا بأس، ثم إن الآلية لهذه المحادثات لم تحدد بعد".
يستمع المتظاهرون إلى كلمات من شخصيات من جماعات متعددة، تتنوع من "أوقفوا الحرب" و"منظمة التضامن مع الفلسطينيين" و"رابطة المسلمين في بريطانيا" الذين يشكلون معا ائتلاف (أوقفوا الحرب)، إلى أعضاء في البرلمان معارضين للحرب كجورج جالاوي وجيرمي كوربين وجون ماكدونيل، أو من يحلو لتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني ومؤيديه تسميتهم بـ(المعهودين من المشتبه بهم)، أي المعارضين له على طول الخط.
كان هناك فريد صبري من الحزب الاسلامي العراقي، وممثلين عن "عائلات ضد الحرب"، وبروس كِنت من الحملة من أجل نزع الأسلحة النووية، وصديق نورمان كمبر المختطف في العراق.
لكن كانت هناك أصوات جديدة هذه المرة. أصوات من إيران. وكان يمكنك أن تشعر بالخوف في عيون الإيرانيين المتظاهرين، كانت هناك جماعات كالحزب الشيوعي الإيراني "حكماتيست" ومن "العمل الإيراني".
مثلت "العمل الإيراني" على المنصة أستاذة في كلية الدراسات الآسيوية والإفريقية، هي إلاهة روستمي بووي التي حملت في كلمتها حملة عنيفة على الإعلام في الغرب، قائلة إنه يصور بلادها بسلبية على طول الخط، ونوهت بأن هذه المظاهرة هي أحلى هدية تقدم لبلادها في عيد راس السنة الإيرانية الموافق في الواحد والعشرين من آذار/مارس.
سألتها قبل إلقاء كلمتها، ولم تبد لي بشعرها الأبيض المكشوف كمؤيدة للنظام في إيران، "هل كنت ستصوتين للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد؟"، تجيبني ببعض التململ: " لا أعرف إن كنت سأصوت له. أنا لست في إيران الآن، والمهم أن أحمدي نجاد انتخب بطريقة ديموقراطية على برنامج مكافحة الفساد ومكافحة الفقر، وطرح موضوع الملف النووي سابق على انتخابه، ثم إن من حق إيران تطوير برنامج نووي لأغراض سلميه، لأن نفطها قارب على النفاذ".
من المتحدثات أيضا البارونة جيني تونغ، عضو مجلس اللوردات عن حزب الأحرار الديموقراطيين وكانت قد خسرت مقعدها في حكومة الظل في حزبها بعد تصريح شمّ فيه البعض تعاطفا مع من يقومون بالعمليات الانتحارية من الفلسطينيين.
سألتها: "وصفت توني بلير قبل يومين بالرجل الخطير الذي يجب أن يذهب فورا، فلماذا؟"، فقالت "إنه بسياسته الخارجية وكل ما فعله منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وبموافقته الرئيس الأمريكي جورج بوش على كل ما يفعل، وبالانقياد وراء اللوبي المؤيد لإسرائيل فإنه يعرض العالم لخطر أكبر".
وأضافت أنها تشعر بخشية شديدة من أن بوش وبلير "سيجدان ذريعة يهاجمان بموجبها إيران كما فعلا في العراق، وهذه كارثة".
نسمع جلبة في الخلف فنرى رجلا يحاول لفت نظر جورج جالاوي، وكثيرون متجمهرون حوله، وهو يصرخ: "جورج جالاوي، أنا اسكتلندي مثلك، لماذا تخشى الحديث ضد الإرهاب الإسلامي وضد العداء للسامية؟"، ويصرخ ثانية ويعيد مبشرا بعودة المسيح الثانية إلى إسرائيل.
أخيرا ينجح الرجل في لفت أنظار جالاوي، الذي رد عليه بابتسامة هازئة مشفقة، وإشارة من سبابته في جانب رأسه وكأنه يقول له "أنت مجنون".
تبدأ الجموع في المغادرة، وأنظر حولي فلا أستطيع التمكن من رؤية رفيقتي في القطار ولا أدري إن كانت قد تمكنت من التعبير اليوم عن معارضتها للحرب في العراق وفي إيران أم لا.
وكالات
مظاهرة ضد حرب العراق في الذكرى الثالثة للغزو
