أن عراق ما بعد 2003 هو عراق يختلف من حيث تركيبته الحقيقية، فمجريات الأحداث تدلل على أن هناك عملية جراحية مشوه تجرى لبلدنا العزيز علينا، لأحداث تغير بالإكراه لطبيعة تكوينه وشخصيته ودوره.
ولا يمكن لهذه العملية أن تتم دون دخول أطراف وصراع قوى وخلط أوراق، وافتعال أزمات، واقتتال داخلي، وفوضى محصلتها عراق جديد وفق القياس الذي وضعته الدوائر الأمريكية لمقدمة من أجل ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير.
ومن دلالات هذا التدخل هو الصراع الأمريكي الإيراني داخل الساحة العراقية، مستثمرً كل طرف إمكانياته ونفوذه من قوى و متعاونين معه داخل الساحة العراقية للوي ذراع الآخر.
علينا أن لا ننسى الدور الإيراني بتحقيق نجاح الاحتلال، فالنفوذ الإيراني قد أستثمر وبشكل جيد لإنجاح الحصار الظالم على شعبنا طيلة ثلاثة عشر سنة، والدور الإيراني كان واضح بترويج وتشجيع (بيان الطائفة) لما يعرف ببيان لندن للطائفة الشيعية، ولها الدور المماثل بإنجاح مؤتمر لندن بالضغط على الأحزاب الأصولية الإسلامية الشيعية للتوجه لهذا المؤتمر أو الترويج له والتشجيع للملمة الطيف الشيعي لاستقبال التغير عبر تثقيف مكثف شهدت له الساحة الأوربية من خلال ندوات مكثفة في الجوامع أو المحافل من أجل استقبال ربيع بغداد الجديد،
وكان تأكيد السيد الأبطحي المتحدث باسم الرئيس محمد خاتمي من دولة الأمارات بقوله: (لولا طهران ما دخلت واشنطن كابول وبغداد).
أن الإشارة لهذه الأحداث التي أصبحت مسلمات لدى المتابعين للشأن العراقي، نقصد بها الإدانة، ونقصد بها التذكير كون هذه الخدمات قدمت عن طيب خاطر من الطرف الإيراني خلال عملية الغزو، وقد قدمت إيران ما هو أكثر من ذلك بعد الاحتلال :
فلم يقتصر الموقف الإيراني على الدعم السياسي للتحولات التي جرت داخل العراق عن بعد بل أقحمت نفسها بالصراع الداخلي وأصبحت طرف من أطراف الاقتتال الداخلي فكانت عملية قتل العقول العلمية العراقية والتصفيات الجسدية لقوى الجيش العراقي وتهجير أبناء المدن إلى خارج القطر من خلال عملية منظمة بتعاون مع الأحزاب الإيرانية داخل العراق هي ممارسات إيرانية بقصد الثأر والانتقام من الشخصية العربية عموماً والعراقية خصوصاً.
وإذا كانت نتائج هذا الفعل الإيراني تصب في مصلحة قوى إقليمية أو دولية أو يصب في مصلحة الاحتلال، النتيجة عندنا نحن العراقيين أن هناك فعل أيراني يتحرك لإلغاء أحد تراكيب الشخصية التاريخية للعراق بحجج واهية مثل : (أن الذين يقتلون هم ضباط النظام السابق، أو هذا عالم النظام، وهذا أديب النظام، وهذا فنان النظام، وهذا عمل فني من أعمال النظام وهذا بناء تذكاري يعود للنظام.. الخ)، بل شراسة الانتقام امتدت لتاريخنا الجليل فبدئت عملية تخريب لمعالم أثرية عباسية وإسلامية، ولا يوجد عراقي غيور يرضى بسلب تاريخه فما قامت به عصابات الغدر يوم 9/ 4 /2003، بسرقة أثار متاحفنا هو عين الفعل لما يتم الآن من سياسة الأرض المحروقة لبلدنا ... وهكذا يتم تحويل الساحة العراقية إلى أرض جرداء من كل ذاكرة وكل تاريخ ،عراق مسخ بحجة الصراع مع النظام السابق.
وبين تصفيات فردية هناك أصابع اتهام بدء الشارع العراقي بفطرته يدركها ويشخصها، حيث أن هناك كثير من المؤشرات على أن قسط وافر من عمليات قتل المدنين والتفجيرات في الأسواق والمحال التجارية ورائها طرف أيراني، وكثير ممن يتم وصفهم بالإرهابيين هم امتداد لفعل أيراني، بل الشارع العراقي يعي وبشكل جيد أن هناك هلوكست شيعي تقوم به إيران من أجل خلق هستيريا طائفية في الشارع العراقي حتى تحجب الرؤيا الوطنية عن الشارع العراقي، ولأجل أن يفقد الشارع العراقي أي خيار سياسي ليكون هناك خيار واحد هو خيار الطائفة، وعند تحقق مثل هذا الخيار فأن إيران ستكون لها اليد الأقوى باللعبة السياسية داخل مراكز القوى العراقية، فإيران اليوم هي جزء من الاحتلال وهي احتلال آخر يضاف إلى احتلال القوات الأمريكية.
ولسنا بصدد تبيان قبح الممارسة الإيرانية داخل الساحة العراقية لتجميل الاحتلال الأمريكي فليس الاحتلال الأمريكي أقل قبحاً ولا أقل بشاعة، فهو أم المشاكل ورأس الحربة لكل مأساة عراقية ألا أن هذا لا يلغي ما يحدث من أمور توجب تسليط بقعة ضوء عليها كونها فعل له أثر وامتداد علينا عدم أغافله عند التحليل ودراسة واقع الساحة العراقية والقوى المؤثرة سلباً على المقاومة الوطنية العراقية.
وأمام هذا الواقع الجديد بدء بعض المثقفين يطرح إشكالية جديدة أي الخيارين أولى، وهل بالامكان استثمار التناقض بين إيران وأمريكا، وهل يمكن أن تكون إيران حليف لقوى المقاومة المسلحة ضد الأمريكان وهل وهل؟
بل أحد الأخوة من المتابعين بدأ يطرح مقولة مفادها : أليس الاحتلال الإيراني أفضل من الاحتلال الأمريكي؟ وعندما سألت لماذا قال لي احتلال إيران لنا هو احتلال إسلامي ففي كل المقاييس احتلال بلد مسلم لبلد مسلم أفضل من الاحتلال الأمريكي!
أن حقيقة الأمر أن مثل هذه الإشكالية هي إشكالية في عالم الخواطر النفسية وهي تعبير عن هوى النفس وليست تعبير عن موقف وطني حاسم وقوي، فالاحتلال هو احتلال، سوى أكان تركي أم هندي أم أمريكي ولأجل حل مثل هذا الإشكال على إيران الخروج من العراق وتركة مع خياره الوطني دون تعقيد الوضع العراقي.
فإذا كان المطلوب منا نحن الوطنيين العراقيين موقفاً وطنياً ضد أمريكا بأزمتها مع إيران فلا يمكن أن يتحقق صواب الموقف من قبلنا مؤيداً لإيران ضد أمريكا على آمل أن تكون هناك متناقضات أمريكية إيرانية كي يتم استثمارها، هذا رهان فاشل الأدق والأولى على إيران الخروج من الساحة العراقية وعدم جعلها حلبة صراع لتحقيق توازن قوى من أجل الأزمة الحالية بينها وبين أمريكا.
أن سلامة الموقف الوطني من قبل القوى المناهضة للاحتلال وقوى المقاومة الوطنية المسلحة هو بعدم أنجررها لتكون بيدق بيد الراعي الأمريكي، ووقوفها بحزم تجاه المناورات السياسية لاستثمار المقاومة من قبل إيران.
أن الفرق شاسع وكبير بين موقف داعم للمقاومة وموقف مستثمرً المقاومة لحسابات آنية تخص أحد قوى الاحتلال على حساب الوطن والهوية.
المصدر : التجديد العربي
20/3/2006
أي الخيارين أولى ....سعدون المشهداني
