هيئة علماء المسلمين في العراق

(تحرير سامراء) للمرة الثالثة ...عبد الباري عطوان
(تحرير سامراء) للمرة الثالثة ...عبد الباري عطوان (تحرير سامراء) للمرة الثالثة ...عبد الباري عطوان

(تحرير سامراء) للمرة الثالثة ...عبد الباري عطوان

من المفترض ان تكون الولايات المتحدة الامريكية، بعد ثلاث سنوات من غزو العراق، واحتلاله، واجراء ثلاثة انتخابات فيه (احدها للاقتراع على الدستور)، قد انتصرت، وحولت هذا البلد إلى واحة للاستقرار والديمقراطية وحقوق الإنسان. ولكن حشدها خمسين طائرة، واكثر من الفي جندي لقصف سامراء لانهاء سيطرة المقاومة عليها يطرح العديد من علامات الاستفهام في هذا الخصوص. قيادة القوات الامريكية في العراق اغارت على مدينة سامراء وجوارها مرتين في العامين الماضيين، واعلنت بكل فخر تحريرها واستعادتها من ايدي المقاومة في المرتين ايضاً.

فكم مرة ستحرر القوات الامريكية هذه المدينة، وتحكم سيطرتها عليها، ولماذا تكون هذه المرة افضل حظاً من المرات السابقة؟

استخدام خمسين طائرة يعني ان المدينة تشهد غارات مكثفة، وقصفا جويا لأحياء سكنية وتجمعات بشرية، مما يعني سقوط عشرات وربما مئات الضحايا، وتدمير بيوت فوق رؤوس سكانها، تماماً مثلما حدث في الفلوجة والقائم بل وفي سامراء نفسها.

لا احد يعرف ما يجري في المدينة، وكم من الضحايا سقط فيها من جراء هذا القصف، لان القوات الامريكية فرضت حالة من التعتيم الاعلامي الكامل، ومنعت رجال الصحافة من دخول المدينة، ولن يكون مفاجئاً بالنسبة إلينا، اذا ما اكتشفنا بعد تحرير المدينة للمرة الثالثة، وقوع مجازر رهيبة، وفتح مقبرة جماعية جديدة لاستيعاب جثث الضحايا من ابناء المدينة.

حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري ربما لم تستشر من قبل القيادة الامريكية قبل شن هذا العدوان، وحتى لو تمت استشارتها فلن تعترض، بل ستؤيد دون تحفظ، لان الضحايا هم من طائفة أخرى، وكل من هو ليس من طائفة رئيس الوزراء والتحالف الذي يمثله يعتبر ليس عراقياً ولهذا دمه مستباح.

لا نسمع كلمة احتجاج واحدة ضد مجزرة سامراء هذه من قبل رئيس الجمهورية جلال الطالباني، ولا حتى من الاحزاب والتكتلات السنية التي دخلت العملية السلمية وشاركت في الانتخابات، وحضرت الجلسة الاولي للجمعية الوطنية المنتخبة. فطالما ان من يمارس قتل العراقيين هو جندي امريكي فهذا امر مشروع ومحلل. الاحتجاج فقط عندما يكون القتل من قبل الطائفة الأخرى.

واذا كان ممثلو سامراء في الجمعية الوطنية (البرلمان) ومعهم الاحزاب السنية الأخرى التي تتطلع إلى فتات المناصب في الادارة والحكومة المقبلة، لا يحتجون بقوة على قصف هذه المدينة الصامدة، ولا يقومون بأي جهد ملموس لحقن دماء ابنائها، فانه ليس من الغريب ان تصمت الانظمة العربية وتدير وجهها إلى الناحية الأخرى، فهذه الحكومات، والخليجية منها على وجه الخصوص، مشغولة باحوال البورصات فيها اكثر من الاهتمام بابناء العراق.

من المحزن ان الحكومات العربية التي مولت وساندت الغزو الامريكي للعراق، سواء من خلال فتح القواعد لانطلاق القوات لاحتلال العراق (الاردن، السعودية والكويت) او تمويل الطائرات المغيرة (مصر) او قيادة العمليات (قطر) ليس لها اي دور مباشر او غير مباشر في العراق.

ايران لم تلعب اي دور في عملية الغزو والاحتلال هذه، ولم تنطلق اي قوات امريكية من اراضيها، ولم تطلق رصاصة واحدة مع الامريكان او ضدهم، ومع ذلك اصبحت الدولة المنافسة للادارة الامريكية في ادارة شؤون العراق.

الحكومة الامريكية اعترفت رسمياً بالشريك الايراني عندما اعلنت قبل يومين عن تجاوبها مع الدعوة الايرانية لفتح مفاوضات حول كيفية ترتيب الاوضاع في العراق.

بينما تقف الحكومات العربية وخاصة في مصر والسعودية ودول الخليج موقف المتفرج لا رأي لها ولا كلمة. فقد سلمت العراق لايران، وبدأت تستعد لتمويل حرب امريكية أخرى ضدها اذا دعت الحاجة الامريكية لذلك.

ايران صعدت المواجهة مع الولايات المتحدة من خلال التمسك بخيارها النووي لاجبارها على الدخول معها في صفقة تعترف فيها بدورها في العراق، ومن غير المستبعد ان يكون عنوانها تجميد البرنامج النووي الايراني مقابل اطلاق يد ايران في العراق.

ما يعزز هذا الاحتمال انهيار المشروع الامريكي بالكامل في العراق، وعدم وجود اي بصيص امل يوحي بامكانية التحسن والاستقرار، بما يوفر صيغة تنقذ ماء وجه البيت الابيض وتسمح بانسحاب القوات الامريكية من العراق.

فكريستوفر ريد وزير الدفاع البريطاني اعلن امس ان القوات العراقية غير مؤهلة لاستلام مسؤولية الامن في العراق، والسياسيون العراقيون المنخرطون في العملية السياسية فشلوا في التوصل إلى اي اتفاق حول رئاسة الوزراء، او البرلمان، او الحكومة، وانفض الاجتماع الاول للجمعية الوطنية (البرلمان) الذي انعقد يوم امس الاول بتكريس الخلافات، وزيادة حدتها لا تقليصها مثلما كانت تأمل ادارة الرئيس بوش.

وانضم امس زبغنيو بريجنسكي مستشار الامن السابق الامريكي إلى فوكوياما وبيرل وبيرغر وكلينتون في الاعتراف بفشل هذا المشروع، والمطالبة بسحب القوات الامريكية فوراً من العراق، لان هذا الاحتلال محكوم بالفشل بغض النظر عن المدة التي سيستغرقها.

فنفقات هذا الاحتلال باهظة للغاية (300 مليار دولار)، اما التمرد فقد نجح في ضرب مصداقية وشرعية الوجود الامريكي، وادخل قوات الاحتلال في حرب استنزاف بشرية ومالية متفاقمة، لان جميع حروب الاستنزاف انتهت بخسارة القوات الاجنبية.

الامريكيون سيدمرون مدينة سامراء مثلما دمروها في السابق، ولكنهم قطعاً لن يتمكنوا من انهاء المقاومة، وتحقيق الاستقرار الذي يتطلعون إليه في العراق، المؤلم ان مهمة تحرير العراق، والدفاع عن وحدته وكرامته الوطنية، باتت ملقاه على عاتق ابناء المدن العراقية المستهدفة امريكياً، بينما الاغلبية العراقية تقف في خندق الاحتلال، وتشارك في غاراته ومجازره، وتريد ان تحكم العراق على ارضية التعاون مع الاحتلال تماماً مثلما فعلت حكومة فيشي الفرنسية في زمن الاحتلال النازي الالماني.

حكومة فيشي انتهت بانتهاء الاحتلال الالماني لفرنسا، وحكومة فيشي العراقية ستواجه المصير نفسه، وستدخل التاريخ من الباب نفسه ايضاً.


المصدر : التجديد العربي
20/3/2006

أضف تعليق