الغربان السوداء تتكاثر، الجوقة تقضم السماء، ولكن لازالت هناك شمعة مشتعلة داخل الكوخ!
إن دروس التاريخ الأولية التي تعلمناها في الصفوف المتوسطة من المدرسة، وكذلك قراءة المشاهد السياسية العالمية، واضحة وعميقة ولازالت حية تهدر في آذاننا وتحرضنا على تقليبها في كل اتجاه، لنعيد قراءتها واستلهامها، ولعل أهم منحنيات هذه الدروس تتمثل فيما يلي:
1- إن المحتل عدو صريح مهما مارس من تزييف أو افتراء !
2- لا يهم المحتل في المقام الأول والأخير سوى مصالحه التي قدم من أجلها فقط !
3- إن المحتل مستكبر وقاس ويمارس أبشع أنواع التنكيل ضد الشعوب المقهورة وبشتى الوسائل، مهما جمّل من صورته وبدّل من نبرة صوته، أوتظاهر بالحريرية والديمقراطية!
4- إنه يعمل بكل الطرق والآليات الممكنة وغير الممكنة على طمس هوية وثقافة الشعوب وتسييد ثقافته ولغته وهويته.
5- يجد المحتل دائما من يبشر ويرحب به ويمجده ويتعاون معه إلى أقصى حد، من بعض أفراد وشرائح المجتمع المحتل ومثقفيه وسياسييه!
6- إن من أهم الأسباب في سقوط الدول والحضارات هو الاستعانة بالعدو الخارجي كظهير ومخلص!
7- إن الشعوب دائما ما تقاوم المحتل بكل الوسائل والحيل مهما طال الوقت، لتنتصر!
وهذه الخطوط الجلية لا يلتفت إليها التاريخ الصغير الذي يتوق إليه ويعيش زهوه المحتلون والمستعمرون وأصحاب النياشين العسكرية، وكذلك من يهلل لقدومهم ويمجد زعيقهم؛ فهذا التاريخ مخاتل وهش تحدده أكوام الغنائم، ولحظة الانتشاء، على اعتبار أن من يصنعه ويكتبه ويعيشه هم الأقوياء المنتصرون دائماً!
أما التاريخ الكبير فهو لا يتوقف عند الأحداث والحوادث العرضية القصيرة في خانتي النصر أو الهزيمة العسكرية للمعارك، وإنما يذهب إلى تشخيصها وقراءتها بحيادية، وضمن الرؤية الإنسانية وتطورها، ويقوم بشرح طبقات الاستعمار وحروب الإبادة، كما لايغفل سيرالنضال والتحرر ! فهذا التاريخ يذكر الكثير من المنتصرين في لحظات التاريخ الصغير بأن عليهم تقديم الاعتذار عما اقترفوه من جرائم وهتك حضاري وهدر إنساني بحق الشعوب التي احتفلوا ورقصوا على جثثهم وخرائبهم!
الشاشات الخبيثة:
إذا كانت حروب الاحتلال والاستعمار، التي شغلت حيزاً مظلما وبشعاً من تاريخ البشرية، تفاجئ الشعوب وتأخذها على حين غرة، وهو جزء من التكتيكات، بنزول جحافل الإبادة والنهب على أراضيها لاحتلاها وتدميرها وإخضاعها لسلطاتها المباشرة للهيمنة على مقدراتها وطمس هويتها ومعالم تاريخها! فإنه وبتأثير تطور وسائل ووسائط الإعلام الذي صار العالم بفضله عالم شاشات فضائية متعددة ومتنوعة: شاشة التلفاز ، شاشة السينما، شاشة الكمبيوتر، شاشة الهاتف، شاشة الساعة، شاشة الإعلانات في الشوارع والساحات، أخذ المحتل يطور من استراتيجياته وتكتيكاته وأساليبه وآلياته لشن حروب الاحتلال والنهب، مستغلاً هذا التطور الخطير في الشاشات، ليمارس من خلالها غاراته الأولى ويبث أهدافه بعد أن يسبغ عليها مسحة الإنسانية والديممقراطية ويلبسها صورة الحق في مطاردة الإرهاب ! وهو بهذا يحاول أن يحقق مجموعة من المغانم تتمثل فيما يلي:
1- أن يهيء ذهنية وعقل العالم بمشروعية حروبه المؤنسنة، وأهميتها للبشرية، وبالتالي جرها إلى مساندته والتهليل والتكبير بعظمته وعظمة حروبه!
2- إنه الحق المطلق وناشر الفضيلة والحرية والديمقراطية، فمن لا يكون معه في محور الخير فهو ضده في محور الشر، فهو المخلص المنتظر الذي تنتخيه وتستصرخه الشعوب المستضعفة والرازحة تحت نير الظلم والاستبداد!
3- تكريس هيمنته على العالم من خلال تكريس صورته الباطشة وحضورها الدائم على الشاشات بتهديداته وتوعداته المتكررة للدول التي لم تكن في فلكه يوماً ما ، واستعراض قدراته العسكرية المخيفة!
4- أن يستقطب العديد من النخب السياسية والمثقة ضمن مشروعه، ويجعلها صوته الأمامي المبشر، وهذا ما حدث فعلاً، حيث أن العديد من المثقفين والسياسيين ممن كانوا يعتبرون الاحتلال تكريساً للظلم والنهب، أصبحت حناجرهم تسبّح بضروة حدوثه ومناصرته كي تعم الحرية والديمقراطية أرجاء الكون!
النشيد الأممي للخراب:
الديمقراطية، الحرية، حقوق الإنسان، التطور، الرفاهية، الأمان، حرية الرأي، مغانم سيجلبها المحتل مع آلاته العسكرية، بعد أن يكنس الظالم والظلم، ويحرر البلاد من السجون والجلادين، هذا هو النشيد الأممي الذي يتطاير ضمن الشاشات وتردده الغربان القارضة! ويحاول المحتل أن يضعه في مقدمة جيوشه!
من هذا النشيد تبدأ ثقافة الاحتلال، الثقافة الجديدة التي تصور الجيوش بأنها جيوش محررة وليست محتلة أو غازية، وأن أهدافها، إعادة صياغة تاريخ المنطقة بركائز العلم والديمقراطية وبالتالي لابد من تنظيف التاريخ القديم من علاماته التي ياتي في مقدمتها المتاحف والآثار، بحرقها ونهبها وتدميرها! فمنذ لحظة الانقضاض الأولى المصحوبة بجيش إعلامي وإعلاني مدرب على أدواره، تترك المدن للاستباحة والتخريب حتى تتمكن الشاشات العالمية من تصوير الشعب المحتل في صورة شعب همجي لا ينتمي للمدنية، وتأكيد ما كانت تعرضه شاشات السينما منذ عشرينات القرن العشرين على أن شعوب هذه المنطقة شعوب عدوانية وإرهابية ومنغمسة في التخريب والسرقة والجنس، وليس لها إرث وممارسة قانونية أو حضارية، وغير قادرة على تخليص نفسها من تاريخها البشع ! ولهذا يجب تفكيك الدولة وبناؤها وفق أسس ومناهج جديدة يحملها المحتل في حقيبته، وأولها صياغة قوانين تخدم أهدافه القريبة والبعيدة، قوانين تكرس وجوده عبر صياغات توظف فقرات الضعف والخلل في المجتمع مثل صفائح الإثنيات كالطائفية وخلق أحزاب تتبنى هذا المنهج المرعب، وتمكنه من وضع يده الفولاذية على ثروات الدولة ومقدراتها، وتتحكم في سياساتها الداخلية والخارجية!
وبالطبع هذه الاستراتيجية تتطلب صفير المبشرين به وبمشروعه، مدركاً إن الوسائط الإعلامية هي الأنجح لذلك فيمنح المزيد من الحرية والدعم للشاشات والحناجر والصحف لكي تشرح ديمقراطيته وإنسانيته، وتتفنن في لعن تاريخها وقوميتها وانتماءاتها، وكأن تاريخها يجب أن يبدأ من لحظة الاحتلال!
ثقافة المقاومة:
التاريخ الكبير لا يسكت على تخطئته، ولا يتفرج على وصمات المرض والتزييف، بل إنه يمتلك جيناته غير المعطوبه ومضاداته الحيوية التي لا تقبل الدخلاء وثقافتهم، وهذا ما فعلته جميع الشعوب الحية التي تمتد جذورها إلى أعمق من كثبان الاحتلال وغبارهم ! فالشعوب الحية لا تنحشر في زاوية المقاومة العسكرية فقط، وإنما تنخرط وبسرعة وفاعلية في مقاومة ثقافة المحتل باعتبارها ثقافة تفكيكية خرائبية تعمل على إفراغ المجتمع من روحه ومن هويته، وخلق ثقوب الإحباط والعجز والاستسلام لديه، وتشعره بأنه مدين لهولاء العسكريين، ولإنجازاتهم في الموت والتقتيل والإرهاب، وإعمار السجون وهندسة التعذيب، وصياغة مناهج تعليمية تمسح تاريخ الشعب، وتمجد الحروب. على المقاومة أن تعيد للتاريخ معادلته في أن التغيير الحقيقي يحدثه الشعب، ولا يمنح من الخارج، وأن الحرب والجيوش لا تقدم الديمقراطية لأن هذه المؤسسة الفاشلة لا تعرف كيف تمارسها وتحاربها في ذاتها، وتقدم الرعب والفناء!
على المقاومة الثقافية أن تستثمر كل طاقاتها الإبداعية والفنية، وتستنهض لحظاتها المضيئة، وتاريخها الحضاري والنضالي، وتجاربها المشرقة، في فضح ثقافة وممارسات المحتل، وتعرية الجوقة التي تقدم له المديح والثناء وتبرر جرائمه، ولعل أخطر ورم يزرعه المحتل هو الكورَس الثقافي الذي يدافع عن المحتل وثقافته في كل محفل وعلى كل منبر!
المصدر : التجديد العربي
20/3/2006
الرقص على طبول الاحتلال ... احمد العجمي
