تمر على العراقيين ذوي الأصالة هذا اليوم الذكرى الحادية والتسعين لتأسيس جيشهم الباسل الأبي، الذي دافع بكل شجاعة عن تراب وطنهم وساهم بفاعلية في المعارك التي خاضتها الأمة العربية والإسلامية ضد الكيان الصهيوني المغتصب للأراضي الفلسطينية .
ففي مثل هذا اليوم؛ السادس من كانون الثاني من عام 1921 انبثقت أول نواة للجيش العراقي، بعد تحرير العراق من الاحتلال البريطاني خلال ثورة العشرين المباركة التي قام بها أبناء العراق الغيارى، فقد خرج أول فوج عسكري نظامي من مدينة الكاظمية شمال بغداد تحت اسم "فوج الإمام موسى الكاظم" بقيادة مؤسسه الأول الفريق الراحل (جعفر العسكري).
إن الجيش العراقي ـ بتشكيلاته التي سبقت وقوع الاحتلال الغاشم ـ صاحب تاريخ مشرف، فقد كان مؤسسة عسكرية فاخرة ترتقي إلى مصاف المؤسسات العسكرية الدولية، وكان عراقيا بكل معاني الكلمة وأبعادها، إذ أنه يحمل من معاني البطولة والشهامة والولاء للوطن ما يجعله شامخًا معانقًا النجوم، كما كان منتسبوه يتحلون بصفات النخوة العراقية الشهيرة والغيرة على الدين والوطن والمبادئ والأمة، فصار بذلك مدرسة وطنية يتعلم فيها أبناء الشعب معنى الولاء والالتزام والضبط والصدق والأخلاق الحميدة، وعلاوة على ذلك فقد كان جيشا مهنيًا حرفيًا بامتياز يعمل كفريق متجانس، وهو ما جعل أبناء الشعب العراقي إلى الآن ينعتون جنوده الأبطال بـ حماة الوطن الحقيقيين، وما زالت ألسنهم تصفه بـ: جيش الشعب، والجيش الأسطورة, والجيش العملاق، وسور العراق، ومصنع الأبطال، وحارس البوابة الشرقية للوطن العربي، وصمام الأمان، وغير ذلك من الإطراء والمديح، لاسيما أنه تحمل الصعاب وبذل الكثير في الذود عن حمى العراق والأمة التي ينتمي لها.
ولمّا كانت هذه صفاته فقد تمكن الجيش العراقي الأصيل من تطوير تشكيلاته المختلفة حتى صار واحدًا من أكبر جيوش المنطقة من حيث العدة والعدد، ولم تكد السنوات من عمره تمر؛ حتى غدا سدًا منيعًا أمام الأطماع التوسعية والإقليمية التي تستهدف العراق والأمة عامة، وقد أثبت بعد ذلك أنه جدير بهذه المهمة، بعد أن أثمرت جهوده بإبقاء المنطقة في مأمن من تلك الأطماع لعقود بفضل ترسانته المتينة.
ومما يذكر في حق هذا الجيش الأبيّ؛ تلك الملاحم المشرفة التي سجلتها له صفحات التاريخ في دوره البارز والمميز في الحرب العربية – الصهيونية عام 1948، والمعارك الأخرى التي تلتها في عامي 1967 و 1973، إذ لم تزل مقابر شهداء الجيش العراقي الأبطال الذين ضمّخوا بعبير أرواحهم الطاهرة وجه الأفق؛ في سوريا والأردن، حتى اليوم شاهدة لهذا الجيش المغوار الذي كان له الدور البارز في دحر القوات الصهيونية الغاشمة، بعد أن خاض معارك ضارية ضد الاحتلال الصهيوني الغاصب وأبلى ضباطه وجنوده بلاءًا حسنا في صولاتهم وجولاتهم.
ولا يمكن للتاريخ أن يغفل لحظة عن البطولات الخارقة التي سطرها جيش العراقيين الباسل في مواجهة الجيش الإيراني المعتدي في الثمانينات من القرن الماضي، فقد صمد أمام خامس جيش في العالم مدة سنوات ثمان بصيفها وشتائها، وليلها ونهارها، حتّى تمكن من صد تلك الريح الصفراء القادمة وهي محملة بالأحقاد والضغائن، فكان بحق مدافعا قويًا وحارسًا أميناً.
وفي مطلع القرن الجديد شنت الإدارة الأمريكية ومن حالفها من قوى الشر العالمية أقذر حرب عرفتها الشعوب؛ تمثلت بغزو العراق واحتلال أرضه ومصادرة خيراته، وزج أبنائه في المعتقلات والسجون، وقتل وتشريد الملايين منهم، وفوق ذلك كله ارتكبت تلك الإدارة الحاقدة أشنع جريمة يمكن أن تُسجّل في تاريخ العراق بأن حلّت الجيش العراقي بُعيد الاحتلال عام 2003 وفق قرار جائر وخبيث اتخذه الحاكم المدني لإدارة الاحتلال في العراق آنذاك (بول بريمر)، وما ذلك إلا من اجل إزالة أكبر عقبة يمكن أن تصد أطماع الغرب في العالمين العربي والإسلامي.
واليوم، وبعد مرور ما يقرب من عقد، زعمت إدارة الاحتلال أن قواتها غادرت العراق، ملقية على أبنائه تبعة قراراتها ومشاريعها، ومخلفة آثارًا كبيرة من الدمار والخراب في الأنظمة والمؤسسات والبنى، ومن بينها الجيش، إذ جلبت (ديمقراطية) أمريكا ومن اصطف في طابورها جيشًا تزعم أنه للعراق، لكنه ليس كذلك، فالعراقيون يشعرون بالألم والأسى لما آلت إليه أوضاع الجيش الحالي الذي تم تشكيله في ظل الاحتلال السافر، فهو يفتقر إلى كثير من المقومات الأساسية وعلى رأسها العقيدة العسكرية والتدريب والمهنية والتسليح، إضافة إلى انتشار الفساد والرشوة بين صفوف الكثير من ضباطه ومنتسبيه، كما يضم الكثير من عناصر الميليشيات التابعة للأحزاب والكتل في العملية السياسية الحالية التي ترتبط بمخططات خارجية رامية إلى السيطرة على هذا البلد الجريح ونهب ثروات شعبه.. ومن هنا فلا يمكن المقارنة مطلقًا بين الجيش العراقي الأصيل ذي التاريخ الحافل بالبطولات، وبين مجاميع من العصابات وذوي الأجندات الخارجية الذين يتحركون وفق برامج أعدّها أعداء العراق بغيتها النيل منه.
إن من حق العراقيين أن يعيشوا هذه المناسبة بذكرياتها المشرفة، وتاريخها الناصع، فلا يوجد بيت عراقي ليس له ذكريات مع هذا الجيش الباسل، الذي يزداد حبه في نفوسهم يومًا بعد يوم، وهم يشاهدون ممارسات الجيش الحالي وتشكيلاته الطائفية، ومنتسبيه الذين يعانون من مرض التبعية، فهو لم يكف منذ تسع سنوات عن انتهاك حرمات البيوت، عبر اقتحامها واعتقال الآمنين والأبرياء فيها، إضافة إلى إخفاقاته المتكررة في تأمين الحماية لهذا البلد الذي أصبح مستباحًا بعد أن دنسته أقدام الغزاة.
وحين يحتفل العراقيون ويستذكرون هذه المعاني؛ فإن عليهم العمل الجاد والمتواصل على إعادة مجد العراق إليه، فتلقى على عواتقهم استعادة الكرامة والعزة التي ظل جيشهم حاميًا لها لأكثر من ثمانين عامًا، وليس من سبيل لذلك سوى الثورة والانتفاضة الكبرى ضد مشاريع الاحتلال وحكومته الحالية، وعمليته السياسية برمتها، فهي بمثابة الأوساخ العالقة في الجسد العراقي، الذي يحتاج إلى من ينظفها عنه ويزيلها إلى غير رجعة، حتى يعود إليه بريقه ونقاؤه، وينعم بالهناء أهله وأبناؤه.
الهيئة نت
ج
في الذكرى الـ91 لتأسيسه.. العراقيون يستذكرون بطولات الجيش العراقي الخالدة
