\"فوز حماس كان استحقاقاً طبيعياً، وليس قفزة في الهواء. أمامنا تحديات كبيرة، لكننا سنقبل التحدي وسوف تنتصر\".
بلغة واثقة متدفقة يتحدث رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الأستاذ خالد مشعل واصفاً الوضع الفلسطيني بأنه بالغ التعقيد، دون أن يتردد أبداً في القول إن فوز حماس لم يكن متوقعاً، فهو يقول: \"ما أردناه شيء، وما حقّقه الله لنا شيء آخر\".
ويرى خالد مشعل أن فوز حماس قد أحدث إرباكاً لدول المنطقة التي تؤمن بمبدأ التسوية، لكنه يَعِدُ الدول المتخوفة من حماس برؤية واقعية معتدلة، "لأن ما يجري على الأرض يسعفنا ويساعدنا".
ويضيف: "لقد اتُّهمت الحركات الإصلاحية الإسلامية بأنها لا تصل للحكم إلا عن طريق الدبابة، ولا تعرف الطريقة السلمية الديموقراطية، ويشاء الله أن تأتي الحركة المجاهدة المقاتلة عن طريق الآليات الديموقراطية التي حاولت أمريكا أن تستخدمها كأداة لابتزاز الأنظمة حتى تخضع لها سياسياً، وتهب ما لديها من استحقاق داخلي".
وعن المسألة الاقتصادية في الشأن الفلسطيني يرسم مشعل رؤية حماس الاقتصادية، فهي ستقبل الدعم الرسمي سواء كان نقداً كحصص تُدفع للشعب الفلسطيني أو كمشاريع اقتصادية، لكنه يضيف: "سنعمل أيضاً على تعويد شعبنا على الاعتماد على الذات لكي نبني اقتصاداً وطنياً متحرراً من الاحتلال".
ودعا خالد مشعل الشعوب العربية والإسلامية إلى المبادرة لدعم الشعب الفلسطيني، ورفع شعار المشاركة والإسعاف السريع الذي يثبّت المشروع الفلسطيني الجديد، ويمكنه من تجاوز عنق الزجاجة، "لأنه لو انكسر مشروع حماس أو أُجهض- لا سمح الله - فلن تكون هذه هزيمة لحماس مقابل فتح فقط، بل ستكون هزيمة لنا كفلسطينيين لصالح إسرائيل التي ستجد آخر عقبة أمامها قد انكسرت. فمن البعد المصلحي والإستراتيجي للأمة أن ينجح مشروع حماس".
(الإسلام اليوم) التقت خالد مشعل أثناء زيارة وفد حماس للرياض، فالتقطنا حواراً خاطفاً، وإشارات سريعة من بحر فلسطين المتلاطم.
س / ما تأثير فوز حماس في الانتخابات على الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟
ج / الكثير من أهلنا في الخارج اتصلوا بنا، وقالوا: إن الانتخابات لا تشير فقط إلى تأييد الشعب الفلسطيني لكم، بل نحن في الخارج اعتبروا أننا انتخبناكم.
لذلك هذه البشائر في داخل فلسطين وفي الخارج مع شعوب العرب والمسلمين التي فرحت لفوز حماس فرحاً ربما زاد عن فرحتنا والحمد لله، لعل هذا من بركات الله، ومن السكينة والطمأنينة التي شعرنا بها جميعاً، على الرغم من أن الطمأنينة ممزوجة بتحدٍ كبير، لكن هذا فضل كبير من الله تعالى أن أعطانا أكثر مما نستحق، ولا شك أن ما أردناه شيء، وما حققه الله لنا شيء آخر.
س / هل يعني هذا أن فوز حماس لم يكن متوقعاً لديكم؟
ج / نعم لقد كنا نريد التدرج، ندخل أولاً تجربة المجلس التشريعي... نهضمها، وعندما نتقنها نتحول إلى الخطوة التالية، لأننا نعرف استحقاقات السلطة خاصة أنها ليست سلطة في دولة مستقلة، بل هي سلطة في ظل احتلال، وبالتالي أمامك معادلة ثلاثية: السلطة، والشعب، والاحتلال.
وحقيقة التحول الذي يجري الآن في فلسطين يتم عن طريق حركة لم تُكمل العشرين سنة من عمرها، في بؤرة الحدث العالمي، وعلى رؤوس الأشهاد وبالآليات الديموقراطية التي أرادوا بها شراء ذمم الأمة، فالديموقراطية في العُرف الأمريكي أرادوا بها ابتزاز الأنظمة حتى تخضع سياسياً لهم، وتهب ما لديها من استحقاق داخلي.
فالحركات الإصلاحية والإسلامية تُتهم بأنها حركات تأتي على ظهر دبابة؛ لأنه لا يسمح لها أن تصل إلى الحكم إلا بدبابة، ويشاء الله أن تأتي الحركة المجاهدة المقاتلة عن طريق الديمقراطية وليس على ظهر دبابة.
هناك جملة عوامل تتضافر لترسم لوحة واضحة، وهي أن المرحلة الراهنة هي مرحلة جاءت استحقاقاً طبيعياً، أنا أعلم أننا أمام تحدٍ وقلق وهواجس، لكن الذي يطمئنني أن هذا التطور عند حماس لم يأت قفزة في الهواء، وإنما جاء استحقاقاً طبيعياً، ولدينا تجربة ماضية، تنجح في المقاومة، وتنجح في خدمة الشعب، وفي المصداقية، وفي البلديات قدمنا نموذجاً للشعب الفلسطيني.
س / وكيف سيؤثر فوز حماس على الدول المؤمنة بمبدأ التسوية؟
ج / لا شك في أن نجاح حماس أحدث إرباكاً خاصة على الدول ذات خط التسوية في دول الطوق، ولكننا - بفضل الله تعالى - قدمنا رؤية معتدلة لهذه الدول، رؤية فيها من الواقعية والاتعاظ بالتجربة السابقة، ولذلك رأينا تفهماً لرؤيتنا وطرحنا من قبل الروس أيضاً.
س / تشير كثيراً إلى التحدي والقلق، ما نوع التحديات التي تواجهها الحكومة الجديدة؟
ج / هناك تحديات كبيرة وهائلة وخطيرة، فلك أن تتخيل أن أمريكا كانت تهيئ المنطقة لمبدأ التسوية، ثم فجأة تأتي حماس وتفشل هذه الخطة الأمريكية، فهل ستخضع أمريكا؟ الآن هي متورطة في العراق وغيره، ولكن هناك تواطؤ مع الأوروبيين، يعلمون أن حماس لا تتطابق مع الموقف الأوروبي، قد يسايرون محرجين من أجل الديموقراطية، ولكن - قطعاً - لن يستمروا إلى آخر الطريق، وخصوصاً ضعفاء الضمير.
هناك بعض الأطراف العربية شبت على لغة التسوية، فمن الصعوبة أن تأتي بعد ستين أو سبعين سنة، وتبدأ تخاطبهم بلغة جديدة، كمن يريد أن يتعلم لغة أجنبية على كبر.
س/ وفتح هل تمثل تحدّياً وعائقاً أمام حماس؟
ج / الصورة الظاهرة أمام الناس عامة انتقال هادئ وسلمي للسلطة، وتسليم من فتح لحماس بالفوز المستحق، هناك نمط رائع من فتح ونماذج مشرفة تعاملت مع الديموقراطية بسلاسة، وهذه لا ننكرها عليهم، بالعكس أنا شكرت أبو مازن وإخواني في الداخل والخارج شكروا أبو مازن أيضاً.
لكن هناك فئات داخل فتح تسعى إلى إحراج حماس وإفشالها، فتجد لديهم خطة لإفشال المجلس التشريعي، فبدأوا بالمقاطعة، وعملوا خطة استباقية في جلسة 13 شباط/ فبراير، ولكن إخواننا ألغوها قبل ذلك.
في مسألة تشكيل الحكومة خطتهم استنزاف الحركة في المفاوضات، لكن قرارهم الداخلي هو عدم المشاركة، فقط يريدون أن يقولوا للعالم: نحن نريد أن نشارك في الحكومة، لكن حماس هي التي تشدّدت معنا، وبالتالي العالم يلوم حماس؛ لأنها لم تستوعب حركة فتح. وفتح تريد أن تشغل حماس حتى تنتهي فترة تشكيل الحكومة، وقد عجزت حماس عن تشكيلها، وبالتالي يضطر رئيس السلطة إلى أن يكلف الحزب الآخر بتشكيل الحكومة، وهذا شيء يبلغنا من داخلهم وفي اجتماعاتهم.
بل إن من خططهم الآن الانتشار في المدن والقرى استعداداً لانتخابات تشريعية مبكرة.
فتحريض الناس وإظهار أن حماس غير قادرة على أن تنسجم مع المحيط العربي والمجتمع الدولي، وغير قادرة على توفير الاقتصاد، وأنها في النهاية لن تستيطع تشكيل الحكومة، كل هذا من أجل إسقاط حماس، وادّعاء أنها - حتى لو كانت نظيفة - ليس هذا أوانها.
طبعاً لدينا من الخطط والمعالجات ما يحتوي هذه المكائد ويفشلها ويكشفها أمام شعبنا، ولكننا مثل الذي يسير على حد السيف.
س / يبدو أن أكبر تحدٍّ تواجهه الحكومة الجديدة هو الأزمة الاقتصادية، فما هي رؤية حماس لمواجهتها؟
ج / نحن سنقبل الدعم الرسمي سواء كان نقداً، أو مشاريع اقتصادية مستمرة في فلسطين، مع حرص الحركة على أن يكون قرارها مستقلاً عن أي ضغوط او تدخلات. كما أننا أيضاً سنعمل على تعويد شعبنا على الاعتماد على الذات، هذا جزء من فلسفتنا الاقتصادية، سنبني اقتصاداً وطنياً نحاول أن نحرّره من الاحتلال قدر الإمكان، وسوف نحارب الفساد المالي، وبالتالي نخفف من عبء الموازنة الفلسطينية.. كل هذه جهود سنفعلها.
س / وما هي مطالبكم للشعوب العربية والإسلامية في هذه القضية تحديدا؟
ج / نريد من الشعوب العربية والإسلامية الجهر بالدعم بتشكيل صناديق ولجان شعبية، وفتح حسابات خاصة لدعم الشعب الفلسطيني، والآن الوضع تغير، نحن الآن قوة شرعية وعلى رأس السلطة، ولسنا معارضة، فالشرعية يمكن أن يسمح بها ما لا يسمح في حالة أخرى.
ونحن نرجو أن يتحرك إخواننا على قاعدتين:
القاعدة الأولى: أن هذا المشروع مشروعنا جميعاً، ولنرفع شعار الشراكة، ولا نكتفي بالتأييد فقط.
والقاعدة الثانية: أن نتحرك لإنجاح المشروع بأسرع ما يمكن. لا نريد التراخي؛ لأن هناك من يقول: هذا مشروع طويل المدى. وهذا صحيح طويل المدى كمشروع حتى يكتمل وتكتمل أهدافه، ولكن التغلب على كل التحديات الفلسطينية والإقليمية والدولية لا يحتمل الإطالة والبطء، إنما يتطلب حركة سريعة.
حماس تريد إصلاح الحد الأدنى لحياة المواطن، وأن يُقدّم له ما يكفيه من القوت، ومن لقمة العيش الكريمة.
فلذلك أتمنى أن يكون شعارنا إضافة إلى الشراكة، الإسعاف السريع الذي يثبت المشروع، ويتجاوز به عنق الزجاجة، ونحن في هذه السنة - حقيقة - نحتاج إلى هبّة لجمع التبرعات فضلا عن سير التبرعات الروتيني، هذه السنة بحاجة إلى مبالغ أو مشاريع نغطي بها احتياجاتنا.
س / لكن ألا ترى أن ساحة فلسطين غير جاذبة لرؤوس الأموال نظرا للوضع الأمني غير المستقر في ظل الاحتلال؟
ج / صحيح أن ساحة فلسطين ليست ساحة أمان، ورأس المال لن يتحمس في منطقة لا أمان فيها، ولكن إخوانكم سيجتهدون في إبداع أفكار فيها قدر من الأمان لرؤوس الأموال، مثلاً من الممكن أن نعمل بعض المناطق الصناعية والاستثمارية على حدود غزة في المنطقة المصرية.
فهناك حاجة ماسة لمشاريع صناعة واستثمارية في فلسطين على الأقل تخفف من نسبة البطالة العالية، فالشعب الفلسطيني لا يريد فقط نقوداً جاهزة تاتي إليه، يريد أن يعمل، فلديه من العزة والكرامة والإبداع أيضاً ما يدفعه نحو هذا الشيء.
س / ما الذي يضيفه التفاعل الشعبي والسياسي لقضية حماس؟
ج / التفاعل الشعبي والسياسي والإعلامي يعطي رسائل كثيرة:
أولاً: يعطي رسالة للشعب الفلسطيني أننا معكم، فأية فعاليات شعبية أو مؤتمرات أو لقاءات للعلماء والمفكرين وغيرها مما يعكس في الفضائيات، يوصل رسالة مهمة في تثبيت الناس.
وثانياً: يوصل رسالة أيضاً إلى إسرائيل وإلى أمريكا وإلى أوروبا وإلى العالم أن هذا المشروع في فلسطين مشروعنا، لن نسمح لكم بإفشاله، هذه الرسالة بالغة الأهمية، وأنتم قادرون على إيصالها بأشكال مختلفة.
س / كيف تستطيع حماس الجمع بين السلطة والمقاومة؟
ج / حقيقة الجمع بين السلطة والمقاومة معضلة، فمن جهة أنت تريد أن تبني وضعاً مستقراً آمناً، وتوفر حياة هادئة للمواطن، وفي الوقت نفسه تريد أن تقاوم، ومعنى ذلك أن الجانب الإسرائيلي سوف يهدم ما كنت تبنيه، والآن القوات الإسرائيلية تحاول أن تحرج حماس كثيراً في هذا الجانب عن طريق اغتيال كوادر من حركتي فتح والجهاد الإسلامي، لكننا سوف نوفق بإذن الله، والمقاومة خيارنا الإستراتيجي.
س / ماذا لو أخفقت حماس، أو أُجهض مشروعها؟
ج / إذا انكسر مشروع حماس أو أُجهض - لا سمح الله - فلن تكون هذه هزيمة لحماس مقابل فتح فقط، بل هي هزيمة لنا كفلسطينيين لصالح إسرائيل.
فإذا أُجهضت حماس، وأخفق مشروعها، وانفضّ الناس عنها فستقوى إسرائيل متفردة على الساحة بعد أن سقطت كل خطوط الدفاع.
وبالتالي حتى بالبعد المصلحي والإستراتيجي للأمة من المهم جدا أن ينجح مشروع حماس.
حوار: عبد الله الرشيد
الإسلام اليوم
خالد مشعل: حماس واقعيّة.. وسنكسب التحدّي
