الوضع العراقي وما يتنكب الشعبُ من ويلاتٍ وضمورِ جناحيهِ السياسي والعقلاني حتى أصبح لا يقوى على النهوض بأعباء الرسالة
التي جاء بها عبر التاريخ الانساني الموغل في القدم وما يحتوي من دلالات عميقة تبعث برسالة قوية وشديدة اللهجة لكل من بيده مفتاح لقرارٍ آو لديه وصفة لانتشال صفحة سوداء من تاريخ العراق مسختها أجندات لا تريد للعراق النهوض من كبوته التي طالت ويريدون إطفاء شعلة استنارت بها أوروبا التي كانت تغط في جهل وظلام وكانت بغداد حاضرة الدنيا وموئل العلماء في زمن الرشيد ،لكن سوء الطالع وضع العراق بيد سياسيين يدَّعون الحكمة رغم كثرة الدالات التي تسبق أسماءهم لا يعرفون سوى لغة المخاتلة والزوغان أمام المشاكل التي تعترض مسيرة جوقة الطبالة والمزمرين لعصر جديد من الحرية والديمقراطية متلمسين ومهتدين بدستور أعرج مليء بالألغام والعثرات يئدون كل بارقة أمل تريد أن تصحح أو تتخطى مواده التي كُتبت بأيدٍ لا تريد للعراق على ما يبدو إلاّ الفرقة وأسباب رخائها وتقدمها، إلا أننا ومع شديد الأسف يتقدمنا سياسيون لا يهمهم سوى مصالحهم غير عابئين بما يعاني الشعب المسحوق من شماله إلى جنوبه رغم الترقيع الأمريكي للشق الكبير إلّا أن السياسيين لا يجدون تعريفا للمصطلحات ولغة تخاطب تجمعهم ليعرف الناس ما يريد السياسي وما يفكر ليخرجوا للعالم بأفكار جَلِيّةٍ واضحةٍ وضوح الشمس في رابعة النهار يسير عليها الناس ويسترشدون بها لينطلقوا لخدمة شعبهم كبقية شعوب العالم.
الثورة الفرنسية قدمت للعالم أُنموذجاً حيّاً لصورة التعايش بين البشر من منطلقِ الحريةِ والمساواة وقدموا للعالم دستورا ما زال مرجعية لكل الشعوب التواقة للحرية والانعتاق تنهل منه وتستشهد به، لكننا بعد (التحرير الأمريكي للعراق من الديكتاتورية) طُمست معالم الصناعة والزراعة وتاهت منابر الثقافة بين التمجيد والتنديد وفُرق بين المرء وزوجه باسم الحرية والشعارات الجوفاء لسياسيين تتلمذوا في معاهد ومدارج صبا الحرية والديمقراطية قضوا سنين طويلة يعايشونها واقعا ملموسا لكنهم على ما يبدو لم يأخذوا منها سوى قشورها فزرعوا بدلا من الحرية والديمقراطية أسسوا لفتن جديدة وتأطير لنزاعات وصب زيت على غاطس مشاكل بسيطة تمهيداً لافتعال أخرى كل ذلك باسم الدستور ومصطلحاته الغامضة التي أرهقت الشعب وأراقت انهارا من الدماء في سبيل تلك الحرية (الملعونة) فالدستور ولد مهلهلا غير مترابط فيه الكثير من المصطلحات الغامضة البعيدة كل البعد عن كل مهنية وتخصص فالمادة 142منه نصت على تشكيل لجنة من مجلس النواب أو من خارجه لمراجعة مواد الدستور خلال فترة ستة أشهر وتقديمه لمجلس النواب العراقي فأين حكم هذه المادة منذ 15 -10-2005؟
انه خرق دستوري تقع تبعاته على مجلس النواب السابق والحالي، فلعلهم يعرفون ويتجاهلون إنَّ علو الدساتير واحترامها يأتي من القَسَمِ الذي أقسمه النواب على احترام مواده القانونية باعتباره مصدراً رئيساً من مصادرِ التشريعات القانونية الأخـــــرى فالدســتور اشترطَ أن تتم المراجعة خلال ستة أشهر بعد أول جلسة للبرلمان إلا أن ذلك لم يتم بحجج كثيرة.
وبذلك فان أحكام الدستور تعتبر معلقة حُكماً للفقه الدستوري واستناداً لنص المادة تنفيذا ووجودا وبشرطٍ واجب وملزم ومن خلال هذا النص الدستوري الواضح ولذا يعتبر الدستور فاقد الشرعية والوجود دون تعديله، ويعتبر معطلاً لحين استكمال التعديل المنصوص عليه في متنه ليصبح ضمانة لخضوع الدولة للقوانين، فهو الموجه للنظام السياسي والقانوني والمنشئ للسلطات المختلفة والمحدِد لاختصاصاتها وعلاقاتها، وهو الذي يحدد العلاقة بينها وبين ممارسة السلطة وتحديد الحريات ومواجهة السلطة العامة وهو المرجعية المحددة للماسكين على السلطة باتخاذ القرار باسم الدولة، وتحديد الأهداف التي تسعى لها الدولة من خلال الفلسفة السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية لأنه الهرم الذي يحمل على متنه مواد قانونية مُلزمة لتحاشي الوقوع في فوضى النزاعات، وهذا ما نشهده اليوم من صراعات مسلحة وتلاسن وتأويلات سياسية هي نتاج دستور وضع على عجالة من أمره ومخاض يسير ولغرض خفي.. دُبِّر بليل العراق الذي ننتظر صبحه.
صحيفة القدس العربي
ضمور العقل السياسي العراق... عبيد حسين سعيد
