هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق: تأمل في الف باء الحياة في العام الرابع للاحتلال- هيفاء زنكنة
العراق: تأمل في الف باء الحياة في العام الرابع للاحتلال- هيفاء زنكنة العراق: تأمل في الف باء الحياة في العام الرابع للاحتلال- هيفاء زنكنة

العراق: تأمل في الف باء الحياة في العام الرابع للاحتلال- هيفاء زنكنة

ونحن نخطو خطواتنا الاولي علي رصيف العام الرابع من الاحتلال نسير بحذر شديد، لئلا نتلطخ بالدماء، لئلا تتكسر قلوبنا، قلوبنا المثقلة بالخوف، الخوف علي اهلنا من الموت، الخوف علي عراقنا من التمزق، من سيطرة الغرباء، الخوف من ان نضعف فلا نعود قادرين علي مقاومة الغزاة البرابرة. الخوف من رذاذ الحقد والانتقام يغطي عيوننا فلا نري الملامح الحقيقية للاخرين، الخوف من الريح المسمومة قد تقتلع كل ما هو حي، فتجف الحياة ويسود الظلام. الخوف مما تحمله الدقائق الآتية.

يعيش الغزاة في زاوية اطلقوا عليها اسم المنطقة الخضراء. تحيط بهم الاسيجة الكونكريتية والاسلاك الشائكة. معهم يقيم عدد من ابناء جلدتنا. اصطحبهم الغزاة من الاراضي البعيدة وهم يحملون راية تقاطع المصالح.

انهم سجناء الكراسي، المناصب، العقود، الانتقام، والمحاصصة الطائفية والعرقية. لايغادرون قصور وقاعات وبيوت الزاوية الا نادرا، واذا ما تجرأوا علي الخروج من خلف اسيجتها الواقية الي شوارع المدينة فانهم سيخرجون في سيارات مصفحة مظللة النوافذ أو وهم محاطون بمرتزقة ضخام الاجساد، يرتدون نظارات داكنة اللون. يحجبون عنهم الوطن واهله. لئلا يروا.

لئلا يروا شوارع المدن وقد تحولت الي برك دماء. لايرون ابناء مدنهم وهم يحملون خراطيم المياه لغسلها من دماء الضحايا. لايرون الاطفال وقد جمدت الضحكة علي وجوههم وتوقفوا عن اللعب في الشوارع والطرقات، مثل الكبار يدورون بين الاشلاء المتناثرة وهم يجمعون الاصابع والاقدام والبقايا في اكياس لتدفن بلا اسماء، يبحثون عن أغطية يسترون بها عري الموت. صار الاطفال مثل الكبار لايبكون.

اختار القادمون مع الغزاة ان يكونوا درعا لهم. اما كانوا يعرفون طبيعتهم؟ لم لم يقرأوا كتب التاريخ والحاضر، أم انهم اختاروا الا يقرأوا؟ الا يعلمون ان كتب التاريخ والحاضر تقول: هذا هو حال الغزاة مهما ارتدوا من مسوح. يحرقون ينهبون يدمرون ينتزعون من ابن البلد المحتل كرامته، هويته، تاريخه واحلامه.

يقدمون اليه الكذب مغلفا بالوعيد. تتراكم الاكاذيب، تترسب مثل الكلس، حتي يصبح من الصعب رؤية الحقيقة. تدفن الحقيقة بين ألق غنائم الغزاة. تنطمر حين تختلط اكاذيب الغزاة بتلفيقات المتعاونين معهم من ابناء البلد. فالغزاة يعرفون جيدا بانهم لن ينجحوا، مهما كانت قوتهم، في فتح بوابات المدن من الخارج.

اختاروا دخول الوطن علي دبابة الاحتلال المعبئة بالسلاح والاكاذيب وتابوت ميت اطلقوا عليه اسم تقاطع المصالح، فذابت المقاييس والاعراف والمبادئ وحتي البرامج السياسية لتتحول الي عجينة يشكلها الغزاة كما وكيف يريدون.

انكسرت البوصلة الاخلاقية. فأصبح الشيوعي مبسملا بديمقراطية الرأسمالية، وسياسيو الاحزاب الاسلامية محولقين بديمقراطية الطائفة ومستلمي رواتب السي آي أيه والمخابرات البريطانية مستقلون علمانيون، ومستخدمات واشنطن قياديات لحقوق المرأة العراقية.


قالوا للغزاة. سيستقبلكم العراقيون كمحررين بالزهور والحلوي. موهوا رغبة الناس بالخلاص من الدكتاتورية بالترحيب بالمحتل واغتصابه الوطن. ثم وقفوا صفوفا بانتظار المكافأة. توزيع الكراسي الطائفية والعرقية، يجلسون عليها مثل الدمي ليحركهم ويسيرهم من الوراء الغزاة.


وزعت عليهم اقلاما خاصة لتوقيع التنازلات. واختفت مصطلحات التحرير وتقاطع المصالح والحرية وتلاها تدريجيا دفن الاستفتاء والدستور والانتخابات تحت طبقات متوالية الاكاذيب. نما في ظل الزاوية الخضراء، بسرعة نمو الاعشاب الضارة، في ارجاء البلاد، سلاطين صغار وميليشيات تتغدي علي دماء الناس.


أراقوا حبر المطابع واختلط بدماء المدافعين عن الحقيقة. كسرت الاقلام. سجن من تجرأ علي كتابة مقالتين عن الفساد وحكم عليه بالسجن ثلاثين عاما بأمر من احد السلاطين الجدد. ارادوه عبرة لمن اعتبر. قتلوا الاساتذة اغتالوا العلماء اختطفوا الاطباء. ارهابا وترويعا للناس. أضرب من يخشي علي سلامة الكلمة عن الكتابة، ولم يبق في البلاد من حروف وكلمات غير شعار الغزاة. الحرب علي الارهاب.


اليوم، ونحن نستقبل اليوم الاول من العام الرابع للغزو بالمزيد من الضحايا والدماء. نجد انفسنا واقفين في سفينة واحدة تدعي الوطن، مع ابناء جلدتنا ممن رافقوا الغزاة (لانهم، علي الرغم من كل شيء، ابناء جلدتنا، كما كان الدكتاتور السابق واجهزة قمعه من ابناء جلدتنا).

السفينة مهددة بالغرق. الغزاة يتفرجون علي ما زرعوه. كل من رافق الغزاة واقف علي سطحها وبيده فأس، يريد اقتطاع رقعة تتناسب مع عدد ضحايا الحزب او الطائفة او العرق او الجنس الذين اغتالهم النظام السابق. يقول احدهم انا ابن الطائفة المظلومة قدمت مليون ضحية. لذلك استحق دفة السفينة ووقودها.

يقول آخر انا ابن القومية الثانية، قدمت مئات الآلاف من الضحايا، لذلك استحق مكائن السفينة. يقول آخر انا ابن الحزب الشيوعي قدمت آلاف الضحايا لذلك استحق سطح السفينة.

يقول آخر انا ابن الطائفة المهمشة التي قدمت آلاف الضحايا لذلك استحق مستودعات السفينة.

أصبحت الاستحقاقات في السفينة تتناسب مع عدد ضحايا النظام السابق، وكوبونات مزايدة ومتاجرة للحصول علي حصة اكبر من غنائم الغزو، متناسين آلام ومعاناة أهالي الضحايا الذين نادرا ما يلتفت اليهم أحد، متناسين انهم، انفسهم، لانهم في مواقع السلطة، كما كان مسؤولو النظام السابق، يتحملون مسؤولية الجرائم المرتكبة في كل يوم. متجاهلين بان اقتسام السفينة سيغرقها وان المحافظة علي سلامة الركاب تتطلب رعاية السفينة، صيانتها والمحافظة عليها.


ونحن؟ اقدامنا مغموسة بالدماء، عقولنا، عيوننا مشلولة، مسربلة بالخوف لئلا نفقد شخصا اخر. هل بامكاننا ان نتحمل بعد القمع والحروب والغزو والموت موتا آخر؟ نحن الغالبية نسير في شوارع مدينتنا كمواطنين من الدرجة الثانية يوحدنا الخوف علي أهلنا ووطننا والحاجة والسعي وراء لقمة العيش والحرص علي حياة اطفالنا وصحتهم وتعليمهم. مشغولون بهمومنا ومآسينا الي حد لم نعد نسمع فيه كل من يقول انا ابن القومية الكبري، انا ابن الطائفة المظلومة، انا ابن الطائفة المهمشة، انا ابن القومية الصغري أنا ابن الاقلية الفلانية او العلانية.


هل صارت خياراتنا محددة ما بين البناء والتهديم، ما بين التهديم والتهديم، ما بين الموت والحياة، أم ما بين الموت والموت؟ لم يعد السؤال الاول عن المستقبل بقدر ما هو عن البقاء الآن. عن اللحظة.

هل بامكان من يسكنه الخوف من الموت ان يفرح، يحلم، يخطط، يبني، يعلم اطفاله كيف يحتفلون بالحياة؟
كيف سنتحرر من حصار اللاخيار لنمتلك الحرية؟
أليس من حق موتانا، قتلانا، ضحايانا، شهدائنا، في حلبجة والبصرة والعمارة وسامراء والنجف وحديثة والفلوجة، تحت النظام السابق والحالي، أليس من حقهم علينا ان نعتز بالحياة؟ ألا نكرر دائرة القتل والعنف؟ ألا تذوب أجساد اطفالنا بالاسلحة الكيمياوية والنابالم؟


في اليوم الاول من العام الرابع لغزو البرابرة لبلادنا، وقفت ست فاطمة، المعلمة في مدرسة الخنساء الابتدائية للبنات، ببغداد، امام تلميذاتها والدموع تنهمر علي خديها. لقد شاهدت وهي في طريقها الي المدرسة قتل امرأة عند نقطة تفتيش امريكية. انسحب الجنود بسرعة. تركوا المرأة ممددة علي ظهرها، مكشوفة الساقين، غارقة بدمائها علي الرصيف. اقتربت منها ست فاطمة رغم التحذيرات.


سحبت تنورتها، لتغطي ساقيها. ارادت ان تمنحها حق الموت بكرامة. متأملة رأت فيها نفسها. فتغيرت، في لحظة الاقتراب من الموت حياتها. قالت ست فاطمة بصوتها الهادئ الحزين مخاطبة تلميذاتها: من اجل بناء المستقبل علينا انقاذ الحاضر. لقد تخلصنا من النظام البائد، تنفسنا الصعداء، فماذا عن الآن؟ هل نبقي نبكي وننوح علي ماخسرناه هل نقتل كما قتل السابقون انتقاما، ام نتعلم الحياة؟ فليكن درسنا اليوم عن الحاضر. قسموا صفحة الدفتر الي قسمين. اكتبوا في القسم الاول: احتلال، قصف جوي، نابالم، يورانيوم منضب، طائرة بلا طيار، محتل امريكي، فسفور ابيض، محتل بريطاني، شاحنات، دبابات، ماء ملوث، امراض، بلا خدمات، أكاذيب، نهب الخيرات، اهانة، اعتقال، تعذيب وقتل. اكتبوا في النصف الثاني وعلي طول الصفحة: مقاومة، هكذا الالفباء الجديدة، الفباء الحياة.

القدس العربي

أضف تعليق